28 أغسطس 2026
يدخل بعض الأطفال إلى فصولهم كل صباح حاملين دفاترهم، لكنهم يحملون أيضًا شعورًا قاسيًا وخفيًا بالجوع. وبينما يحاول المعلم شرح الدرس، ينشغل الطفل بموعد الوجبة التالية، أو يتملكه التعب قبل أن يبدأ يومه الدراسي. عندها يصبح التركيز صعبًا، وتتحول أبسط المهام التعليمية إلى عبء يفوق طاقته.
لهذا تمثل التغذية المدرسية للأطفال ركيزة أساسية لحماية حقهم في التعليم والنمو السليم، خاصةً في المجتمعات التي تعاني من الفقر والنزاعات والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء. فالوجبة التي يتناولها الطفل في المدرسة تمنحه الطاقة اللازمة للتعلم، وتشجعه على الحضور والالتزام، وتخفف عن أسرته جزءًا من الضغوط المعيشية.
وتكشف بيانات اليونيسف أن 181 مليون طفل دون الخامسة، أي طفلًا واحدًا من كل أربعة أطفال حول العالم، يعيشون في فقر غذائي حاد، بما يهدد نموهم الجسدي وتطورهم المعرفي وقدرتهم المستقبلية على التعلم والعمل. ويشتد هذا الحرمان في البلدان الهشة والمتأثرة بالأزمات والصراعات.
ما المقصود بالتغذية المدرسية؟
التغذية المدرسية هي البرامج التي توفر وجبات أو أغذية صحية ومنتظمة للطلاب خلال اليوم الدراسي. وقد تكون الوجبة إفطارًا، أو غداءً، أو وجبة خفيفة غنية بالعناصر الغذائية، وفقًا لاحتياجات الأطفال وظروف المجتمع.
ويُفترض أن تراعي الوجبات المدرسية للأطفال التوازن الغذائي، فتحتوي على مصادر مناسبة للكربوهيدرات والبروتين والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن. ويمكن أن تتكامل برامج تغذية الأطفال في المدارس مع التوعية بالعادات الصحية، والفحوصات الطبية، وعلاج نقص الحديد والفيتامينات، وتوفير المياه النظيفة ومرافق النظافة.
وقد وصل عدد الأطفال المستفيدين من برامج الوجبات المدرسية الحكومية حول العالم إلى نحو 466 مليون طفل في عام 2025، بزيادة 80 مليون طفل خلال أربع سنوات. ومع ذلك، ما زالت الموارد محدودة في كثير من الدول منخفضة الدخل، حيث تتركز الاحتياجات الأكبر.
كيف يؤثر الجوع على قدرة الطفل على التعلم؟
يحتاج الدماغ إلى الطاقة والعناصر الغذائية حتى يؤدي وظائفه بكفاءة. وعندما يصل الطفل إلى المدرسة من دون إفطار، أو بعد يوم لم يحصل فيه على غذاء كافٍ، قد يعاني من الصداع والتعب والدوار والعصبية وبطء الاستيعاب.
ويظهر تأثير الجوع على التعلم في جوانب عديدة، منها:
ويصبح تأثير الجوع على التركيز أكثر خطورة عندما يتكرر يومًا بعد يوم. فالطفل الذي يفتقد الغذاء الكافي لا يحصل على فرصة تعليمية مساوية لزملائه، حتى إذا جلس معهم في الفصل نفسه ودرس المنهج ذاته.
ما العلاقة بين التغذية المدرسية والتحصيل الدراسي؟
ترتبط التغذية المدرسية والتحصيل الدراسي بعلاقة مباشرة؛ إذ تساعد الوجبة الصحية على رفع مستوى اليقظة، ودعم الذاكرة، وتحسين الاستعداد للتعلم. كما تمنح الطفل قدرة أكبر على البقاء في المدرسة حتى نهاية اليوم والمشاركة في الأنشطة التعليمية والبدنية.
وتشير الأدلة الحديثة التي عرضها برنامج الأغذية العالمي إلى أن الوجبات المدرسية تسهم في تحسين المهارات المعرفية ونتائج التعلم، ومنها الأداء في الرياضيات والقراءة والكتابة. كما تدعم الالتحاق بالمدرسة والاستمرار فيها، ولذلك يُعد أثر التغذية على التعليم أوسع من التحسن المؤقت في التركيز؛ فهو يمتد إلى المسار الدراسي ومستقبل الطفل كله.
وتزداد أهمية الوجبات المدرسية للفتيات والأطفال المعرضين للتسرب، فقد تشجع الأسرة التي تعاني من ضيق شديد على إبقاء أبنائها في الدراسة بدلًا من دفعهم إلى العمل أو تكليفهم بأعباء منزلية طويلة.
كيف يؤثر انعدام الأمن الغذائي على تعليم الأطفال؟
يعني انعدام الأمن الغذائي عند الأطفال غياب القدرة المنتظمة على الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ. وقد تضطر الأسرة إلى تقليل عدد الوجبات، أو شراء أغذية أرخص وأقل قيمة غذائية، أو تقديم الطعام للبالغين العاملين على حساب الصغار.
وترتبط مشكلة انعدام الأمن الغذائي والتعليم بحلقة من الحرمان يصعب على الطفل كسرها بمفرده. فالجوع وسوء التغذية يضعفان صحته وحضوره وتحصيله، وقد يؤدي تراجع مستواه إلى ترك المدرسة مبكرًا. ومع انخفاض فرصه التعليمية، تقل قدرته مستقبلًا على الوصول إلى عمل كريم وإنقاذ أسرته من الفقر.
وفي مناطق النزاع والنزوح، تتضاعف التحديات بسبب فقدان مصادر الدخل، وارتفاع أسعار الطعام، وتعطل الأسواق، وتضرر المدارس. وقد تصبح الوجبة المقدمة في الفصل أكثر أسباب الأسرة اطمئنانًا إلى ذهاب طفلها إلى المدرسة.
لماذا تعد التغذية المدرسية مهمة للأطفال في المناطق الفقيرة؟
توفر التغذية المدرسية في المناطق الفقيرة حماية متزامنة لصحة الطفل وتعليمه وكرامته. فالوجبة المنتظمة:
وقد تكون وجبات مدرسية للأطفال المحتاجين عاملًا حاسمًا في قرار الأسرة بإرسال أبنائها إلى المدرسة. وحين تُشترى مكونات الوجبات من المزارعين والمنتجين المحليين، تمتد الفائدة إلى تنشيط الاقتصاد ودعم سبل العيش في المجتمع.
ما دور برامج التغذية المدرسية في دعم تعليم الأطفال؟
تؤدي برامج التغذية المدرسية دور شبكة أمان اجتماعي تصل إلى الأطفال داخل بيئة تعليمية منظمة. وهي تجمع بين دعم الأطفال بالغذاء ودعم تعليم الأطفال، وتساعد الجهات الإنسانية والمدارس على الوصول المنتظم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن كل دولار يُستثمر في الوجبات المدرسية يمكن أن يولّد ما بين 7 و35 دولارًا من المنافع الاقتصادية في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والزراعة. وهذا يجعل أهمية التغذية المدرسية ممتدة إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد، وليس إلى الطفل وحده.
وتنجح هذه البرامج بصورة أفضل عندما تقدم غذاءً متوازنًا بانتظام، وتراعي العمر والحالة الصحية والثقافة الغذائية المحلية، وتضمن سلامة التحضير والتخزين، وتصل إلى الأطفال دون تمييز أو وصم.
كيف يمكن أن يجتمع الغذاء والتعليم في دعم الطفل؟
ترتبط التغذية والتعليم في حياة الطفل ارتباطًا وثيقًا؛ فالتعليم يفتح أمامه أبواب المستقبل، والغذاء يمنحه القوة اللازمة للسير نحوه. ويعبر مفهوم الغذاء والتعليم عن استجابة متكاملة ترى احتياجات الطفل كلها: جسده، وعقله، وأمانه النفسي، وفرصته في بناء حياة أفضل.
وقد حث الإسلام على إطعام المحتاج، فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]. وسُئل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» متفق عليه.
فإطعام طفل محتاج صدقة تحفظ صحته وكرامته، وإذا ارتبطت الوجبة بتعليمه، امتد أثرها إلى سنوات حياته القادمة.
كيف يمكن دعم التغذية المدرسية للأطفال المحتاجين؟
يساعد التبرع بالتغذية المدرسية على توفير وجبات مغذية للأطفال الذين قد يحضرون إلى مدارسهم من دون طعام. ويمكن لهذا الدعم أن يساهم في شراء المكونات، وتجهيز الوجبات، وتحسين مرافق الطهي والتخزين، وتوفير المياه النظيفة، ومتابعة الحالة الغذائية للأطفال.
ومن خلال دعم مشاريع هيومان أبيل الغذائية والتعليمية، تستطيع المساهمة في منح طفل وجبة تشبعه، وطاقة تساعده على الفهم، وسببًا جديدًا للعودة إلى مدرسته كل صباح. فقد تبدو الوجبة بسيطة، لكنها قد تحمي تعليم طفل كامل من الضياع، وتمنحه فرصة حقيقية للنمو والتعلم وصناعة مستقبل أكثر أمانًا.