30 سبتمبر 2026
بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لا تزال غزة تواجه أزمةً إنسانيةً واسعة النطاق، خلّفت خسائر بشريةً هائلةً وأضراراً واسعةً في المنازل والبنية التحتية، وأضعفت قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والمأوى الآمن.
وبحلول يونيو 2026، أظهرت تحليلات الأقمار الصناعية للأمم المتحدة أن نحو 201,290 مبنىً، أي ما يقدّر بـ82% من مباني قطاع غزة، قد تعرض لأضرار بدرجات متفاوتة، منها أكثر من 134 ألف مبنى مدمر. كما تضررت نحو 328,627 وحدةً سكنيةً.
وفي سبتمبر المنصرم، كان 94% من سكان غزة بحاجة عاجلة إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية، فيما كانت 65%من الأسر تعيش في خيام أو مساكن مؤقتة لا توفر حمايةً كافيةً من الظروف الجوية.
هذه الأرقام لا تصف الدمار وحده؛ بل تفسر جانباً كبيراً من الوضع الإنساني في غزة اليوم، حيث ما زال نحو 1.7 مليون شخص نازحين، وفق منظمة الصحة العالمية، وتظل الاحتياجات الإنسانية مرتفعةً رغم التحسن الذي شهدته بعض القطاعات عقب وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025.
النزوح والمأوى: أزمة لم تنته بعد
أجبرت الحرب معظم سكان غزة على النزوح، وكثيرون منهم اضطروا إلى الانتقال مرات عدة مع تغير مناطق القتال والوصول الإنساني. وبعد ثلاث سنوات، ما زالت العودة إلى مسكن آمن بعيدةً عن متناول أعداد كبيرة من الأسر.
ومع اقتراب شتاء 2026، تزداد المخاطر. فقد حددت الأمم المتحدة 217 موقع نزوح متوسط أو مرتفع الخطورة من حيث التعرض للفيضانات، يعيش فيها نحو 235 ألف شخص. كما لا يزال أكثر من 2,300 مبنىً غير آمن مأهولاً، ويقيم فيها قرابة 44 ألف شخص رغم حاجتها إلى الهدم. وبذلك يعيش نحو 279 ألف شخص، أي* 13%* من سكان غزة، في مواقع معرضة للفيضانات أو مبانٍ غير آمنة.
ولا تقتصر احتياجات النازحين في غزة على الخيام. فالمأوى يحتاج إلى المياه والصرف الصحي والإنارة ومستلزمات النظافة والفرش والحماية من الأمطار، إلى جانب الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية.
الأمن الغذائي: 1.4 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي
شهد الأمن الغذائي تحسناً بعد توسيع نطاق المساعدات عقب أكتوبر 2025، لكن المكاسب ما زالت هشةً. فبين منتصف أبريل ونهاية يونيو* 2026، واجه أكثر من *1.2 مليون شخص، أو 59% من السكان، مستوى "الأزمة" أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وكان 212 ألفاً منهم في مستوى "الطوارئ". ويتوقع التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن يرتفع العدد بين يوليو وديسمبر 2026 إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67% من السكان.
ويظهر أثر نقص الغذاء في غزة بصورة أشد لدى الفئات الأكثر عرضة لسوء التغذية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 74,200 طفل *بين *6 أشهر ودون الخامسة، و24,600 امرأة حامل أو مرضع سيحتاجون إلى علاج سوء التغذية حتى أبريل 2027.
وتحذر الجهات الإنسانية كذلك من أن نقص التمويل سيؤدي، ابتداءً من أكتوبر 2026، إلى خفض إنتاج الوجبات الساخنة وتوزيع الطرود الغذائية على الأسر.
القطاع الصحي: 19 مستشفىً يعمل جزئياً فقط
ما زالت الرعاية الصحية في غزة تعمل تحت ضغط شديد. ففي سبتمبر 2026، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن 19 مستشفىً فقط من أصل 36 تعمل ولو جزئياً، ولا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته. كما يستمر النقص الحاد في الأدوية الأساسية وأدوات التشخيص والمعدات والوقود.
ومنذ أكتوبر 2023، وثقت منظمة الصحة العالمية ما لا يقل عن 920 هجوماً على مرافق صحية وعاملين في القطاع الصحي، واستشهاد أكثر من 1,700 عامل صحي. وتم إجلاء نحو 12,400 مريض إلى خارج غزة لتلقي العلاج، بينما ما زال عشرات الآلاف يحتاجون إلى رعاية تخصصية غير متوفرة داخل القطاع.
وتتفاقم المخاطر الصحية مع الاكتظاظ وضعف خدمات المياه والصرف الصحي. ففي أحد أسابيع يوليو 2026، شكلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة 43.2% من الأمراض المعدية المبلغ عنها، والإسهال المائي الحاد 22%.
أطفال غزة: ثلاثة أعوام تقريباً خارج التعليم النظامي
من أكثر آثار الأزمة امتداداً ما أصاب التعليم. ووفق اليونيسف، فقد حُرم نحو 700 ألف طفل بين 4 و17 عاماً من التعليم الحضوري النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام متتالية، فيما تضرر نحو 98% من المباني المدرسية، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة.
ولا يزال نحو 420 ألف طفل بلا أي تعلم حضوري، بينما تعيق قرابة 60 مليون طن من الركام الوصول الآمن إلى مساحات التعلم في مناطق مختلفة، إلى جانب مخاطر الذخائر غير المنفجرة.
ولا يقتصر أثر هذه السنوات على فقدان الدروس. فقد أفادت اليونيسف في 2026 بأن قرابة تسعة من كل عشرة أطفال شملتهم المشاورات يحتاجون إلى دعم نفسي اجتماعي.
ثلاث سنوات من الاستجابة: ماذا قدمت هيومان أبيل في غزة؟
تعمل هيومان أبيل في غزة منذ عام 1991، وبدأ فريقها استجابته للأزمة الحالية في 9 أكتوبر 2023. ومنذ ذلك الحين، شملت الاستجابة الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى ورعاية الأيتام والتعليم والمساعدات الشتوية.
وبحسب أحدث بيانات المنظمة المنشورة، قدمت هيومان أبيل منذ أكتوبر 2023:
وتعكس هذه الأرقام استجابةً امتدت من الاحتياجات اليومية المباشرة، مثل الغذاء والماء، إلى الخدمات التي تحتاج إلى استمرارية أطول، وفي مقدمتها الصحة والمأوى والتعليم ورعاية الأيتام.
من الإغاثة الطارئة إلى التعافي
بعد ثلاث سنوات، ما زالت المساعدات الإنسانية في غزة ضروريةً على نطاق واسع. لكن المرحلة المقبلة تحتاج أيضاً إلى العمل على التعافي وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية.
فالاحتياجات لا تقتصر على إدخال الغذاء أو استبدال خيمة متضررة. هناك مئات الآلاف من الوحدات السكنية المتضررة، ومدارس تحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل، ونظام صحي يعمل بجزء من قدرته، وبنية للمياه والصرف الصحي تحتاج إلى إصلاح، وأسر فقدت مصادر دخلها ومقومات استقرارها.
وفي الوقت نفسه، ما تزال قدرة المنظمات الإنسانية على توسيع استجابتها مقيدةً بنقص التمويل والقيود على دخول بعض المواد والمعدات وصعوبة الوصول إلى مناطق مختلفة. وقد حذر التصنيف المرحلي للأمن الغذائي من أن انخفاض المساعدات والتمويل قد يعكس التحسن الذي تحقق في الأمن الغذائي خلال الأشهر الماضية.
تواصل هيومان أبيل استجابتها في غزة، مع العمل على توسيع برامج الغذاء والمياه والصحة والمأوى والتعليم والتعافي المبكر بحسب الاحتياجات وإمكانية الوصول.
وبعد ثلاث سنوات من الأزمة، لا تزال الأولوية واضحة: الحفاظ على وصول المساعدات المنقذة للحياة، وفي الوقت نفسه دعم الأسر والخدمات الأساسية في طريق طويل نحو التعافي.