23 يوليو 2026
قد تفصل جرعة دواء واحدة بين استقرار حالة المريض وتدهورها، وبين تعافي طفل صغير ودخوله في مضاعفات خطرة. وفي المناطق المتضررة من النزاعات والكوارث، تصبح رحلة البحث عن العلاج عبئًا يوميًا يضاف إلى أعباء النزوح وفقدان الدخل وصعوبة الوصول إلى الغذاء والمياه الآمنة.
يمتد أثر نقص الأدوية إلى الأسرة بأكملها؛ إذ يهدد حياة المرضى، ويستنزف الموارد المحدودة، ويفاقم الضغوط النفسية، وقد يدفع الوالدين إلى اتخاذ قرارات قاسية: شراء العلاج أم توفير الطعام؟ دفع تكاليف المواصلات إلى مستشفى بعيد أم تلبية احتياجات الأطفال؟ لذلك يمثل توفير الأدوية في الأزمات ركيزة أساسية في أي استجابة إنسانية تحمي الحياة وتصون الكرامة.
لماذا يعد الدواء جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية؟
تشمل الرعاية الصحية التشخيص الصحيح، والدواء المناسب، والمتابعة الطبية، والقدرة على الاستمرار في العلاج. وقد يتوافر الطبيب أو تُجرى الفحوص، لكن غياب الدواء يجعل الخطة العلاجية ناقصة ويحد من فرص التعافي.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية الأدوية الأساسية بأنها العلاجات التي تلبي أهم الاحتياجات الصحية للسكان، وتؤكد ضرورة توافرها باستمرار بجودة مضمونة وسعر يستطيع الناس تحمله. ويشمل ذلك المضادات الحيوية، وخافضات الحرارة، وأدوية السكري والضغط والقلب والربو والصرع، إلى جانب المحاليل والمستلزمات المنقذة للحياة.
وترتبط جودة الرعاية الطبية بوجود منظومة متكاملة تضمن:
كيف يتحول نقص الأدوية إلى خطر على حياة المرضى؟
تزداد خطورة الأمراض مع تأخر العلاج. فقد تتفاقم عدوى بسيطة يمكن السيطرة عليها بمضاد حيوي مناسب، ويتحول الجفاف الناتج عن الإسهال إلى حالة طارئة عند غياب محاليل الإرواء، وقد تؤدي نوبة ربو دون بخاخ إلى اختناق يهدد الحياة.
كما يدفع نقص الأدوية بعض المرضى إلى شراء بدائل مجهولة المصدر، أو تقليل الجرعات حتى تكفي مدة أطول، أو مشاركة العلاج مع مريض آخر. وقد يتوقفون عنه كليًا لارتفاع سعره. وتعرض هذه الممارسات صحتهم لمضاعفات إضافية، وخاصة إذا استُخدمت الأدوية بلا إشراف من مختصين.
وتشير دراسة نشرتها منظمة الصحة العالمية حول الوصول إلى العلاج في غزة إلى أن أبرز العوائق شملت نقص الدواء وارتفاع أسعاره وضعف توزيعه؛ وهي صورة توضح كيف تتداخل الأزمات الصحية والاقتصادية واللوجستية لتجعل العلاج بعيد المنال عن أسر كثيرة.
لماذا يكون الأطفال أكثر تأثرًا عند غياب العلاج؟
تتطلب صحة الأطفال استجابة سريعة؛ لأن أجسامهم أصغر، ومناعتهم لا تزال في طور النمو، وقد تتدهور حالتهم خلال وقت قصير. فالحمى المستمرة، والالتهاب الرئوي، والإسهال، والجفاف، والعدوى الجلدية حالات قابلة للعلاج غالبًا، إلا أن التأخير قد يجعلها أشد تعقيدًا.
ويواجه الأطفال المرضى في مناطق النزوح مخاطر متداخلة، منها سوء التغذية، وتلوث المياه، والاكتظاظ، وارتفاع درجات الحرارة، وضعف خدمات التطعيم. وعندما تختفي أدوية الأطفال والمضادات الحيوية والمحاليل وخافضات الحرارة من المراكز الصحية، يصبح المرض الذي كان يمكن علاجه مبكرًا سببًا في الإقامة بالمستشفى أو الإصابة بإعاقة أو فقدان الحياة.
وتتحمل الأسرة بدورها ضغطًا نفسيًا بالغًا أمام طفل يتألم دون أن تستطيع توفير العلاج له، خاصة إذا كان الوصول إلى أقرب مركز صحي يتطلب رحلة طويلة أو تكاليف تفوق قدرتها.
كيف يؤثر انقطاع الدواء على مرضى الأمراض المزمنة؟
يعتمد المصابون بالأمراض المزمنة على علاج منتظم يحافظ على استقرار حالتهم. فالإنسولين لمريض السكري، وأدوية الضغط والقلب، وعلاجات الصرع والربو ليست خيارات مؤجلة؛ وإنما حاجات صحية يومية.
قد يؤدي انقطاع الإنسولين إلى اضطراب حاد في سكر الدم، كما يزيد توقف دواء الضغط خطر السكتة الدماغية أو الأزمة القلبية. ويمكن أن تعود نوبات الصرع بعد استقرار طويل إذا انقطع العلاج فجأة. وتفيد منظمة الصحة العالمية بأن نفاد أدوية الأمراض غير السارية وتقنياتها الصحية طال ما يصل إلى 41% من البلدان منخفضة الدخل، مقارنةً بـ4% من البلدان مرتفعة الدخل، ما يكشف حجم التفاوت في فرص الحصول على العلاج.
ما التحديات التي تواجه الأسر في الحصول على الأدوية أثناء الأزمات؟
لا يرتبط نقص الأدوية بندرة المنتج وحدها؛ فقد يكون العلاج موجودًا في مدينة أخرى، لكنه يظل بعيدًا بسبب إغلاق الطرق أو ارتفاع كلفة النقل أو انعدام الأمان. ومن أبرز التحديات:
وقد تضطر الأسر إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها أو التخلي عن احتياجات ضرورية لتوفير الأدوية للمرضى، فتتسع آثار الأزمة لتشمل الغذاء والتعليم والاستقرار الاقتصادي.
كيف تؤثر النزاعات والنزوح على توافر الأدوية والخدمات الصحية؟
تتعرض المرافق والكوادر وسيارات الإسعاف والمستودعات الطبية لضغوط هائلة في أثناء النزاعات، بينما ترتفع أعداد المصابين وتنتشر الأمراض الناتجة عن الاكتظاظ وتلوث المياه وسوء التغذية. ويؤدي النزوح إلى انفصال المرضى عن أطبائهم وسجلاتهم الطبية ومصادر علاجهم المعتادة.
وفي السودان، ذكرت منظمة الصحة العالمية في أبريل 2026 أن 37% من المرافق الصحية كانت غير عاملة، وأن نحو 21 مليون شخص يفتقرون إلى الخدمات الصحية، وهو ما يوضح حجم الخطر عندما تتزامن الاحتياجات المتزايدة مع تعطل النظام الصحي.
كيف تساعد العيادات والمساعدات الطبية في إنقاذ الأرواح؟
تستطيع العيادات الثابتة والمتنقلة الوصول إلى المرضى، وتشخيص الحالات مبكرًا، وتوفير الأدوية للمرضى وفق احتياجاتهم، ومتابعة الحوامل والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة. كما تدعم المساعدات الطبية المستشفيات بالمضادات الحيوية والمحاليل وأدوية الطوارئ والمستلزمات الجراحية.
وتمنح هذه الخدمات الأسرة مسارًا آمنًا للعلاج، وتقلل اللجوء إلى الأدوية غير الموثوقة، وتخفف تكاليف الانتقال والشراء، وتساعد على اكتشاف الحالات الخطرة قبل تفاقمها.
كيف حث الإسلام على التداوي ورعاية المرضى ومساعدة المحتاجين؟
جمع الإسلام بين التوكل على الله والأخذ بأسباب العلاج، فقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. فالشفاء بيد الله، والدواء من الأسباب التي سخرها لعباده. وقال رسول الله ﷺ: «تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم»، وهو حديث صحيح.
وتوفير العلاج لمريض عاجز صورة جليلة من تفريج الكرب وحفظ النفس والرحمة بالمحتاج؛ إذ يصل أثر الصدقة إلى المريض وأسرته، ويعيد إليهم الأمان والأمل.
كيف يمكن لعلبة دواء أن تمنح مريضًا فرصة جديدة للحياة؟
قد تكون علبة الدواء جرعات إنسولين تحمي أبًا من غيبوبة خطرة، أو مضادًا حيويًا يساعد طفلة على تجاوز التهاب حاد، أو علاجًا يضبط ضغط أم مسؤولة عن أسرتها. تبدو المساعدة صغيرة في حجمها، لكنها قد تصنع فارقًا عميقًا في حياة إنسان.
ومن خلال دعم مشاريع الرعاية الصحية والمساعدات الطبية لدى هيومن أبيل، يمكن الإسهام في إيصال العلاج إلى المناطق المتضررة، وتجهيز العيادات، وتوفير الأدوية الأساسية، ومنح المرضى فرصة للتعافي واستعادة حياتهم. فدواء يصل في الوقت المناسب قد يخفف ألمًا، ويمنع مضاعفات، وينقذ حياة كاملة.