21 فبراير 2025
الماء أصل الحياة، ونعمة تتوقف عليها صحة الإنسان وغذاؤه واستقرار المجتمعات من حوله. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].
ومع ذلك، ما زالت أسر كثيرة حول العالم تواجه يومها من دون مصدر مأمون لمياه الشرب، فتقطع مسافات طويلة لجلب الماء، أو تعتمد على آبار مكشوفة ومصادر ملوثة تهدد صحة أفرادها.
ولا تعني ندرة المياه الشعور بالعطش وحده؛ إذ تمتد آثارها إلى النظافة والصحة والتعليم والزراعة وسبل العيش. وقد تتحول جرعة ماء ملوثة إلى سبب للإسهال أو الكوليرا أو التيفوئيد، بينما يؤدي بُعد مصدر المياه إلى ضياع ساعات كان يمكن أن يقضيها الأطفال في مدارسهم، أو يستثمرها الآباء في العمل ورعاية أسرهم. لهذا يحتل فضل سقيا الماء مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي صدقة تستجيب إلى حاجة أساسية، وتحفظ النفس، وتعين الإنسان على العيش بكرامة.
لماذا ارتبطت سقيا الماء بأعظم صور الصدقة؟
تتجلى قيمة صدقة الماء في اتساع أثرها واستمرار الحاجة إليها؛ فالماء ينتفع به الطفل والمريض والمسن والمسافر، كما تحتاج إليه الأسر في الشرب وإعداد الطعام والنظافة. وقد يمتد نفعه إلى الحيوانات والمحاصيل الزراعية، فتغدو قطرة الماء أساسًا لمنظومة كاملة من الحياة والإنتاج والاستقرار.
سأل سعد بن عبادة رضي الله عنه النبي ﷺ: «يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء» (رواه النسائي وأبو داود). ويكشف الحديث عن عظم هذا الباب من أبواب الخير، خاصة في الأماكن التي يصعب فيها الوصول إلى مصدر آمن ومستدام.
كما أخبر النبي ﷺ عن رجل وجد كلبًا يلهث من شدة العطش، فسقاه، فقال: «فشكر الله له فغفر له»، ثم قال ﷺ: «في كل كبد رطبة أجر» (متفق عليه). فإذا كان الإحسان إلى حيوان عطشان سببًا للمغفرة، فكيف بمن يسهم في إيصال الماء إلى قرية كاملة، أو يحمي أطفالًا من الاضطرار إلى شرب مياه ملوثة؟ وتزداد قيمة السقيا عندما يُنشأ بها مورد دائم، مثل بئر أو خزان أو شبكة مياه؛ إذ يتجدد النفع مع كل إنسان يشرب، وكل طعام يُعد، وكل مريض تُصان صحته.
كيف ينظر الإسلام إلى الماء باعتباره نعمة تستحق الشكر والعطاء؟
تكشف الآيات التي تتناول المياه في الإسلام عن ارتباط هذه النعمة برحمة الله وقدرته ورزقه لعباده. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68-69]. فالإنسان يشرب الماء كل يوم، غير أن دوام وجوده قد يجعله يغفل عن حجمه الحقيقي في حياته.
ويظهر شكر هذه النعمة في المحافظة عليها، وتجنب الإسراف فيها، والعمل على إيصالها إلى من حُرم منها. ومن هنا يصبح دعم مشاريع سقيا الماء تعبيرًا عمليًا عن الرحمة والتكافل؛ فالمتبرع يشارك غيره موردًا جعله الله حقًا مشتركًا وضرورة للحياة.
ويمكن كذلك تقديم سقيا الماء صدقة جارية عن الوالدين أو أحد الأحبة المتوفين؛ وذلك عبر المساهمة في بئر أو محطة تنقية أو خزان يستمر الناس في الانتفاع به. ويُرجى أن يصل ثواب الصدقة إلى الميت، فيما يبقى أثرها حاضرًا بين الأحياء لسنوات طويلة.
لماذا تزداد أهمية سقيا الماء خلال فصل الصيف؟
ترتفع حاجة الجسم إلى الماء مع اشتداد الحرارة وزيادة فقدان السوائل، ويصبح الحصول على مياه شرب مأمونة أكثر إلحاحًا للأطفال وكبار السن والمرضى والعاملين في الأماكن المكشوفة. أما الأسر النازحة التي تعيش في المخيمات أو المناطق المتضررة، فقد تواجه الصيف داخل خيام شديدة الحرارة، مع كميات محدودة من المياه وبعد نقاط التوزيع عنها.
ولا يكفي وجود أي مصدر للماء؛ فسلامته وجودته عنصران أساسيان. وقد يدفع النقص الشديد الأسر إلى استخدام مياه غير معالجة، أو تخزينها في أوعية غير مناسبة، مما يزيد فرص التلوث. كما تحتاج الأسرة في الصيف إلى كميات إضافية للشرب وإعداد الطعام والاستحمام وغسل اليدين وتنظيف الأواني. لذلك تشمل الاستجابة الفعالة خلال الأشهر الحارة:
وهكذا تصبح السقيا في الصيف حماية مباشرة من الجفاف والإجهاد الحراري والعدوى، وتمنح الأسر قدرًا من الأمان وسط ظروف يصعب احتمالها.
كيف تغير مشاريع سقيا الماء حياة الأسر والمجتمعات؟
تبدأ بعض مشاريع سقيا الماء بتوفير احتياج عاجل عبر نقل المياه إلى منطقة متضررة، بينما تُصمم مشروعات أخرى لتقديم حل طويل الأمد، مثل حفر الآبار وتركيب المضخات وبناء الخزانات وإنشاء شبكات التوزيع ومحطات التنقية.
ويمثل التبرع لحفر الآبار استثمارًا إنسانيًا يتكرر أثره كل يوم. فعندما يصبح مصدر الماء قريبًا من المنازل، تستعيد الأسر الساعات التي كانت تُهدر في جلبه، ويتمكن الأطفال من الانتظام في الدراسة، وتخف الأعباء البدنية التي تتحملها النساء والفتيات في كثير من المجتمعات.
كما يدعم توفر الماء سبل العيش؛ إذ يستطيع المزارعون ري المحاصيل وسقاية الماشية، وتتمكن المشروعات الصغيرة من مواصلة أنشطتها. وقد تتحول بئر واحدة إلى نقطة انطلاق لتحسين الغذاء والدخل والصحة والتعليم معًا.
ولضمان استدامة الأثر، ينبغي أن يراعي المشروع طبيعة المنطقة وعمق المياه وجودتها وعدد المستفيدين، إلى جانب تدريب المجتمع على تشغيل المصدر وصيانته. فنجاح المشروع يرتبط بقدرته على مواصلة الخدمة بأمان وكفاءة بعد إنشائه.
كيف تساعد مشاريع المياه في حماية الأطفال من الأمراض؟
يُعد الأطفال من أكثر الفئات تأثرًا بتلوث المياه؛ فأجسامهم أقل قدرة على تحمل الجفاف وفقدان السوائل الناتج عن الإسهال. وتشير اليونيسف إلى أن أكثر من 1,000 طفل دون الخامسة يموتون يوميًا بسبب أمراض مرتبطة بالمياه غير الآمنة وسوء الصرف الصحي والنظافة. كما تُعزى نسبة كبيرة من وفيات الإسهال عالميًا إلى هذه العوامل التي يمكن الوقاية منها.
وتشمل الأمراض المنقولة بالمياه الكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد وشلل الأطفال. وقد تؤدي نوبات الإسهال المتكررة إلى سوء التغذية؛ لأن جسم الطفل يفقد السوائل والعناصر الغذائية ولا يستطيع امتصاص الغذاء بكفاءة. وتتسع العواقب لتشمل الغياب عن المدرسة، وضعف التركيز، وتأخر النمو الجسدي والمعرفي.
تساعد مشاريع المياه الآمنة على كسر هذه الدائرة عبر توفير ماء صالح للشرب، وتحسين النظافة الشخصية، ودعم مرافق الصرف الصحي، والحد من الاعتماد على الأنهار والبرك والآبار المكشوفة. لذلك تمثل صدقة الماء حماية للصحة، وفرصة للتعلم، ومساحة أوسع لطفولة أكثر أمانًا.
من خلال دعم مشاريع هيومان أبيل للمياه أو التبرع لحفر الآبار، يمكنك أن تمنح أسرة موردًا تحتاج إليه في كل يوم، وأن تجعل صدقتك سببًا في إرواء عطشان ووقاية طفل وإحياء مجتمع. قد تبدو قطرة الماء صغيرة، لكن أثرها قادر على أن يمتد في حياة الإنسان سنوات، وأجرها بإذن الله أبقى وأعظم.