الحمل والرضاعة في رمضان: الحكم الشرعي، الفوائد والمخاطر الصحية

الحمل والرضاعة في رمضان: الحكم الشرعي، الفوائد والمخاطر الصحية

قد تدخل عليكِ أيام رمضان وأنتِ بين فرحتين وخوْفين: فرحة العبادة، وخوفٌ على جنينٍ يتكوّن أو رضيعٍ يتغذّى. وهنا تتجلّى رحمة الشريعة: لم تجعل العبادة سيفًا على الجسد، بل بابًا لليُسر. يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. ويقول أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾


الحكم الشرعي لصيام الحامل والمرضع

يُعد صيام رمضان فريضةً عظيمة، لكنه في الشريعة الإسلامية ليس عبادة تُمارَس على حساب الحياة أو الصحة. لذلك جاءت الأحكام المتعلقة بـ الحمل والرضاعة في رمضان مثالًا واضحًا على توازن الإسلام بين التكليف والرحمة، وبين العبادة وحفظ النفس.


الأصل الشرعي: الفريضة مع وجود الرخصة

الأصل أن صيام رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر، لكن القدرة هنا ليست قدرة جسدية مجردة، بل قدرة لا يترتب عليها ضرر مؤكد أو غالب الظن. ولهذا قرر الفقهاء أن صيام الحامل في رمضان وصيام المرضع في رمضان يخضعان لحالتهما الصحية، لا للرغبة. وقد دلّ القرآن الكريم على هذا الأصل بوضوح، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وقد ألحق جمهور العلماء الحامل والمرضع بالمريض عند خوف الضرر، لأن الحمل والرضاعة حالتان خاصتان تزداد فيهما حاجة الجسد للغذاء والسوائل.

فَطِّر الصائمين في العراق
فضل صيام التطوع

متى يجب على الحامل أو المرضع الإفطار؟

أجمع الفقهاء على أن حكم إفطار الحامل والمرضع يكون جائزًا في الحالات التالية:

  • إذا خافت الحامل على صحتها من الصيام (هبوط، جفاف، إرهاق شديد).
  • إذا خافت الحامل على جنينها من نقص التغذية أو السوائل.
  • إذا خافت المرضع على رضيعها من نقص الحليب أو تأثر نموه.
  • إذا اجتمع الخوف على الأم والطفل معًا، وهو أولى بالرخصة.

الفوائد الصحية المحتملة للصيام للحامل والمرضع

للإجابة عن سؤال: هل الصيام آمن للحامل أو المرضع؟ فمن الضروري التفريق بين الإمكان والضمان. فالصيام ليس علاجًا طبيًا للحمل أو الرضاعة، لكنه قد يكون محتمل الأمان لبعض النساء في ظروف محددة، إذا توافرت شروط صحية صارمة والتزام غذائي واعٍ.

أولًا: مبدأ علمي أساسي

الطب الحديث يتعامل مع صيام الحامل والمرضع باعتباره حالة فردية، لا قاعدة عامة. أي أن الحديث عن "فوائد محتملة" لا يعني:

  • أنها ستتحقق لدى كل امرأة،
  • ولا أنها تفوق المخاطر المحتملة،
  • ولا أنها مبرر للصيام إذا وُجد خوف على الأم أو الطفل.

وهذا ينسجم تمامًا مع القاعدة الشرعية: الرخصة تُقدَّر بقدرها.

ثانيًا: متى قد تظهر فوائد صحية محتملة؟

تشير بعض المراجعات العلمية إلى أن النساء اللاتي:

  • يتمتعن بحمل منخفض الخطورة،
  • لا يعانين من أمراض مزمنة،
  • يستطعن تعويض السوائل والسعرات بين الإفطار والسحور،

قد لا يظهر لديهن تأثير سلبي واضح للصيام على مؤشرات الحمل الأساسية. في هذه الحالات، قد تُلاحظ فوائد غير مباشرة، مثل:

1. تحسين نمط تناول الطعام

الصيام المنضبط قد يساعد بعض النساء على:

  • تقليل الوجبات العشوائية،
  • تنظيم أوقات الأكل،
  • التركيز على وجبات متوازنة غنيّة بالبروتين والمعادن.

وهذا مهم خصوصًا في الثلث الأول من الحمل حيث تعاني بعض النساء من اضطراب الشهية.

2. تقليل الارتفاعات المفاجئة في سكر الدم

عند الحوامل غير المصابات بسكري الحمل، ومع وجبات متوازنة: قد يساعد الصيام على استقرار نسبي في مستويات السكر، بشرط تجنّب السكريات السريعة والإفراط عند الإفطار. لكن هذا لا ينطبق على من لديهن سكري حمل أو تاريخ اضطراب سكر.

3. تحسين الإحساس بالراحة الإيمانية والنفسية

لا يمكن إغفال البُعد الإيماني:

  • كثير من النساء يذكرن شعورًا بالطمأنينة والرضا عند الصيام دون مشقة.
  • هذا الاستقرار النفسي قد ينعكس إيجابًا على النوم والشهية والالتزام الغذائي.

وهنا تتجلّى حكمة الإسلام في الجمع بين الصحة الجسدية والسكينة الإيمانية.

ثالثًا: ماذا عن المرضع؟

فيما يخص صيام المرضع في رمضان، تُظهر بعض الدراسات أن:

التركيب الأساسي لحليب الأم (البروتينات والدهون الرئيسية) قد لا يتأثر بشكل كبير على المدى القصير. لكن كمية الحليب قد تتأثر إذا لم تحصل الأم على:

  • سوائل كافية
  • سعرات حرارية مناسبة
  • راحة كافية

وهنا تظهر الإشكالية: هل الصيام يقلل حليب الأم؟

الإجابة العلمية الأدق: ليس بالضرورة، لكنه قد يفعل إذا أُهملت التغذية والسوائل. لذلك فالفائدة الصحية المحتملة للمرضع مرهونة بشروط صارمة، ولا تُقدَّم أبدًا على مصلحة الرضيع.

وزع الطرود الرمضانية في الضفة

المخاطر الصحية المحتملة

عند الحديث عن الحمل والرضاعة في رمضان، تبرز مجموعة من المخاطر الصحية التي قد تجعل الصيام غير آمن لبعض النساء، خصوصًا إذا لم تُعوض السوائل والطاقة بشكل كافٍ.

أبرز المخاطر أثناء صيام الحامل والمرضع

  • الجفاف: وهو الخطر الأكثر شيوعًا، وقد يؤثر الجفاف على ضغط الدم، ويسبب تقلصات الرحم، ويقلل كمية الحليب لدى المرضع.
  • هبوط السكر والدوخة: نتيجة طول ساعات الصيام أو وجبة سحور غير كافية، وقد يصل إلى الإغماء خاصة مع الوقوف.
  • القيء وعدم القدرة على تعويض السوائل: وهو مؤشر خطير يجعل الاستمرار في الصيام غير آمن.
  • تقلصات رحمية أو آلام غير معتادة: قد تزداد مع الجفاف والإجهاد.
  • نقص حركة الجنين: يُعد من أخطر المؤشرات ويستوجب التوقف عن الصيام وطلب التقييم الطبي فورًا.
  • صيام المرضع ونقص الحليب: قد ينخفض إدرار الحليب إذا لم تحصل الأم على سوائل وسعرات كافية، ويظهر ذلك في قلة الحفاضات المبللة أو علامات الجفاف على الرضيع.


متى يجب التوقف عن الصيام فورًا؟ يجب الإفطار والتواصل مع مختص صحي عند:

  • دوخة شديدة أو إغماء
  • جفاف واضح وعدم التبول
  • قيء متكرر يمنع شرب السوائل
  • تغير ملحوظ في حركة الجنين
  • علامات نقص الحليب أو جفاف الرضيع


تأثير الصيام على الجنين والرضيع

يشغل هذا الجانب كثيرًا من الأمهات عند التفكير في الحمل والرضاعة في رمضان، إذ يرتبط القرار مباشرة بصحة طفل لا يملك خيارًا بديلاً.

تأثير الصيام على الجنين

في حالات الحمل منخفض الخطورة، لا تُظهر بعض الدراسات تأثيرًا واضحًا للصيام على نتائج الحمل الأساسية. ومع ذلك، قد يصبح الصيام غير آمن إذا أدى إلى جفاف أو نقص غذائي أو إرهاق شديد للأم.

ويُعد نقص حركة الجنين أو تغيّر نمطها أهم مؤشر عملي يستوجب التوقف عن الصيام والتقييم الطبي فورًا.

تأثير الصيام على الرضيع

في صيام المرضع في رمضان، لا يتأثر الرضيع بالصيام مباشرة، بل بما قد ينتج عنه من نقص في كمية الحليب. الصيام بحد ذاته لا يوقف الإدرار، لكن قلة السوائل والسعرات قد تؤدي إلى انخفاضه لدى بعض الأمهات، خاصة في الرضاعة الطبيعية الحصرية.

متى نقلق؟

  • قلة حركة الجنين
  • قلة الحفاضات المبللة
  • بكاء أو خمول غير معتاد لدى الرضيع

فَطِّر الصائمين في باكستان
فضل صيام التطوع الاثنين والخميس

أسئلة شائعة حول الحمل والرضاعة في رمضان

هل يجب القضاء أم إخراج الفدية؟

الأصل أن على الحامل والمرضع القضاء بعد زوال العذر والقدرة عليه. الإفطار بسبب الخوف على النفس أو الطفل لا إثم فيه، والقضاء هو الواجب في أغلب الحالات، مع وجود آراء فقهية أخرى في صور محدودة.

هل يجوز الإفطار بدون أعراض؟

نعم. يجوز الإفطار إذا وُجد خوف معتبر من الضرر، بناءً على تقييم طبي أو تجربة سابقة، دون اشتراط ظهور أعراض فعلية.

هل يجب القضاء فورًا بعد رمضان؟

لا. القضاء يكون عند الاستطاعة، وليس لازمًا فور انتهاء رمضان، على ألا يُؤخَّر دون عذر إلى رمضان التالي.

هل تختلف الفدية من بلد لآخر؟

نعم. الفدية -عند القول بها- تختلف حسب تكلفة الطعام في كل بلد، ويجوز إخراجها طعامًا أو بالتبرع النقدي عبر جهات موثوقة تتكفّل بتنفيذ الإطعام.

هل يجوز الصيام يومًا والإفطار يومًا؟

نعم. يجوز الصيام في الأيام التي لا توجد فيها مشقة، والإفطار عند ظهورها، مع تقييم الحالة الصحية يومًا بيوم.

فَطِّر الصائمين في السنغال

أيهما أفضل: صيام التطوع أم قراءة القرآن؟

كلٌّ من صيام التطوع وقراءة القرآن من أجلّ العبادات وأعظمها أجرًا، ولا تعارض بينهما، بل هما عبادتان متكاملتان. فالصيام يُزكّي النفس، ويكسر الشهوات، ويُرقّق القلب، بينما قراءة القرآن تُريحُ النفس، وتزيد العلم والهداية، وتُحيي القلب بكلام الله.

وقد قرّر العلماء قاعدة جامعة في هذا الباب، وهي: أفضل الأعمال ما كان أنفع للقلب وأحضر له.
فقد يكون صيام التطوع أفضل في حقّ من يجد فيه خشوعًا، وضبطًا للنفس، وانكسارًا بين يدي الله. وقد تكون قراءة القرآن أفضل لمن يتدبّر الآيات، ويتأثر بها، ويزداد بها إيمانًا ويقينًا.


مبطلات صيام التطوع

تتشابه مبطلات صيام التطوع مع مبطلات صيام الفرض من حيث الأصل؛ لأن حقيقة الصيام واحدة، وهي الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إلا أن صيام التطوع يتميّز ببعض التيسير في الأحكام المتعلقة به.

ومن مبطلات صيام النافلة المتفق عليها:

أولًا: الأكل أو الشرب عمدًا
فمن أكل أو شرب متعمّدًا أثناء صيام التطوع بطل صومه، شأنه شأن صيام الفرض. أما من أكل أو شرب ناسيًا، فصيامه صحيح، لقول النبي ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (متفق عليه).

ثانيًا: الجماع
وهو من أعظم المفطرات، ويبطل به صيام التطوع باتفاق العلماء، وإن كان لا تجب فيه الكفارة المغلّظة كما في صيام رمضان.

ثالثًا: القيء المتعمّد
فمن تعمّد القيء فسد صومه، أما من غلبه القيء فلا شيء عليه، كما جاء في الحديث: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمدًا فليقض» (رواه الترمذي وصححه).

رابعًا: الحيض والنفاس
فإذا طرأ الحيض أو النفاس على المرأة بطل صيامها، سواء كان فرضًا أو تطوعًا، ولا يصح الصيام مع وجودهما.
ويتميّز صيام التطوع عن الفرض بأنه يجوز قطعه بلا إثم إذا عرضت حاجة أو مصلحة، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (رواه أحمد). ومع ذلك، يُستحب للمسلم إذا شرع في عبادة نافلة أن يُتمّها ما استطاع، تعظيمًا للطاعة، وحرصًا على كمال الأجر.

وزع الطرود الرمضانية للاجئي الروهينجا

تبرع الآن
عودة للأخبار