25 سبتمبر 2026
لنفترض أن عليك الخروج من البيت هذا الصباح. في الخارج نحو 40 درجةً تحت الصفر.
وقتها، لن تقف طويلاً أمام الخزانة متسائلاً أي معطف يبدو أجمل. ولن تخرج بشعر مبتل لأنك "لن تتأخر سوى خمس دقائق". والهاتف الذي يحمل شحنةً جيدةً قد لا يبقى متعاوناً معك طويلاً في البرد. أما السيارة، فهي قضية أخرى تستحق التفكير أيضاً.
ومع ذلك، في بعض أبرد المناطق المأهولة في العالم، يستيقظ الناس، ويذهبون إلى أعمالهم ومدارسهم، ويشترون حاجاتهم، ويعيشون حياةً يوميةً كاملةً في درجات حرارة تبدو لكثير منا أقرب إلى تجربة علمية منها إلى نشرة طقس. فكيف يفعلون ذلك؟
ما أبرد المناطق المأهولة على الأرض؟
حين يدور الحديث عن أبرد مكان مأهول في العالم، يتكرر اسم أويمياكون في جمهورية ساخا الروسية، وهي قرية في شرق سيبيريا اشتهرت بدرجات حرارة شتوية شديدة الانخفاض.
وتقع في المنطقة نفسها تقريباً ياكوتسك، إحدى أشهر المدن الكبيرة المعروفة بشتائها القاسي، حيث قد تهبط الحرارة في الشتاء إلى عشرات الدرجات تحت الصفر.
لكن الحياة في المناطق شديدة البرودة لا تقتصر على سيبيريا. فهناك مجتمعات تعيش في ألاسكا وشمال كندا وغرينلاند وأجزاء من الدول الإسكندنافية، ولكل منها خبرة طويلة في التعامل مع الشتاء بحسب بيئتها ومواردها. واللافت ليس أن الإنسان يستطيع البقاء هناك فحسب. بل أنه يستطيع بناء حياة كاملة هناك.
صباح عند 40 تحت الصفر
في هذا البرد، لا تعود بعض التفاصيل "تفاصيل". ترك الجلد مكشوفاً زمناً طويلاً قد يكون خطراً. والبطاريات تفقد كفاءتها في البرد، وتشغيل المركبات يحتاج إلى استعداد يناسب المناخ، كما تصبح الأعطال خارج المنزل أكثر جديةً مما هي عليه في يوم معتدل.
حتى النظارات قد تكون مزعجةً حين يتكثف عليها البخار، والملابس تحتاج إلى اختيارها قبل الخروج لا بعد اكتشاف أن الجو "أبرد مما توقعت".
هكذا يبدو جانب من الحياة في درجات الحرارة المنخفضة: سلسلة من العادات الصغيرة التي تعلم الناس ألا يتركوا للبرد فرصةً لمفاجأتهم. فالطقس هناك ليس حديثاً عابراً قبل الخروج من البيت. إنه جزء من طريقة تنظيم اليوم.
ماذا يرتدي الناس في أبرد مناطق العالم؟
إذا تعلمنا شيئاً من سكان المناطق شديدة البرودة، فهو أن معطفاً واحداً بطولياً لن يحل المشكلة كلها. فالسر في الطبقات.
طبقة قريبة من الجسم تساعد على التعامل مع الرطوبة، وأخرى للعزل، ثم طبقة خارجية تحمي من الرياح والثلج بحسب الظروف. وتحتاج الأطراف إلى عناية خاصة: قفازات مناسبة، وغطاء للرأس، وأحذية عازلة، وجوارب تلائم شدة البرد.
وتختلف ملابس سكان المناطق الباردة من مكان إلى آخر، كما تجمع بعض المجتمعات بين الملابس الحديثة ومعارف متوارثة منذ أجيال حول الخامات والتصميم المناسبين لبيئتها. فالهدف ليس ارتداء أكبر كمية ممكنة من الملابس. الهدف أن يبقى الجسم دافئاً وجافاً من دون أن تعيق الملابس الحركة.
وماذا يأكل الناس في المناطق شديدة البرودة؟
هنا يصبح المطبخ مرآةً للمكان. في المناطق الشمالية شديدة البرودة، تشكل الأطعمة المتاحة محلياً والمحفوظة بطرق تناسب البيئة جزءاً من تقاليد الطعام؛ من الأسماك واللحوم في بعض المجتمعات إلى الشوربات والأطعمة الغنية بالطاقة والمشروبات الساخنة.
لكن من الخطأ تصور وجود "حمية قطبية" واحدة. ما يؤكل في سيبيريا ليس بالضرورة ما يؤكل في شمال كندا أو غرينلاند. فالمناخ يرسم جزءاً من المائدة، ثم تأتي الثقافة والتاريخ والموارد المحلية لتكمل الرسم.
كيف يتكيف الإنسان مع البرد القارس؟
ليس الأمر أن سكان تلك المناطق "لا يشعرون بالبرد". فهم يشعرون به بالتأكيد. لكن كيف يتعامل الناس مع البرد الشديد يتعلق بالمعرفة والبنية التحتية بقدر ما يتعلق بقدرة الجسم على التكيف.
يعرف الناس ماذا يرتدون، وكيف يجهزون البيت والسيارة، ومتى يصبح الخروج خطراً، وكيف يتصرفون إذا تغير الطقس. والمدن والبيوت والخدمات نفسها صُممت، بدرجات متفاوتة، وهي تعرف أن الشتاء سيأتي. وهنا نصل إلى المفارقة الأهم في الحكاية. ليست درجة الحرارة وحدها هي التي تقرر مقدار الخطر.
ماذا يحدث عندما لا تتوفر هذه الإمكانيات؟
قد يعيش إنسان عند 30 درجةً تحت الصفر داخل منزل معزول ومدفأ، بثياب مناسبة ونظام تدفئة مستقر. وقد يعيش آخر في درجة حرارة أعلى بكثير، لكنه ينام في خيمة مبتلة، أو بيت متضرر، أو غرفة لا يستطيع تحمل تكلفة تدفئتها.
من منهما يواجه الشتاء باستعداد أفضل؟
هنا تتغير نظرتنا إلى البرد. فالخطر لا يُقرأ من ميزان الحرارة وحده، بل من السؤال عما يوجد بين الإنسان والبرد: هل لديه سقف؟ هل المأوى جاف؟ هل توجد تدفئة؟ هل يملك معطفاً مناسباً؟ هل لدى الأطفال أغطية تكفيهم؟
لهذا قد يكون الشتاء قاسياً حتى في مكان لا يدخل قائمة أبرد المناطق على الأرض.
حين يصبح الدفء مسألة استعداد
ربما كانت أبلغ دروس المجتمعات التي تعيش في البرد القارس أن الإنسان يستطيع التعايش مع مناخ شديد الصعوبة حين تتوافر له المعرفة والمأوى والملابس والتدفئة والبنية التي تحميه.
لكن ملايين الأسر لا تدخل الشتاء بهذه الأدوات كلها. ومن خلال حملة الشتاء، يمكن للمساهمات أن تساعد الأسر الأكثر احتياجاً في الحصول على بعض ما يعينها على مواجهة البرد، بحسب احتياجاتها وبرامج الاستجابة المتاحة.
فالسؤال ليس دائماً: "كم تبلغ درجة الحرارة في الخارج؟" أحياناً يكون السؤال الأهم: "ماذا يملك الإنسان ليحتمي منها؟"
ماذا عن الأسر التي لا تستطيع تجهيز منازلها للشتاء؟
وهنا يصبح كل ما سبق مختلفاً. نحن نتحدث عن اختيار خامة البطانية، بينما هناك أسرة تحتاج إلى بطانية من الأساس. ونتحدث عن أفضل وسيلة لتدفئة غرفة الطفل، بينما ينام طفل آخر في خيمة أو مسكن مؤقت يصعب الاحتفاظ بالحرارة داخله.
ونفكر في عزل النافذة، بينما قد تواجه أسرةً الشتاء بسقف متضرر أو نافذة لا تستطيع تحمل تكلفة إصلاحها.
الدفء له تكلفة. وحين تجتمع تكلفة تدفئة المنزل مع الطعام والدواء والملابس والإيجار، قد يصبح الشتاء عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل.