19 سبتمبر 2026
ثمة أشياء يغيّر الشتاء معناها تماماً. فالبطانية التي بقيت أشهراً في آخر الخزانة تصبح فجأةً أثمن قطعة في الغرفة. وطبق العدس العادي يصير، وهو يتصاعد منه البخار، شيئاً يستحق الحمد. والسقف الذي لم نفكر فيه طوال الصيف نشعر بقيمته أكثر ونحن نستمع لصوت المطر.
ربما لهذا يصلح الشتاء لأن يكون موسماً مختلفاً للعطاء؛ لأنه يقرّب المسافة بين النعمة والحاجة إليها. نشعر بالبرد، فنعرف معنى المعطف. نجوع في مساء طويل، فنعرف معنى الطعام الساخن. نسمع الريح خلف النافذة، فنعرف معنى أن يكون للإنسان باب يغلقه.
ومن هنا يمكن أن تبدأ أعمال الخير في الشتاء: لا من سؤال "كم أستطيع أن أتبرع؟"، بل من سؤال ألطف وأوسع: ما النعمة التي أعيشها الآن، ويمكن أن أجعل لغيري نصيباً منها؟
لماذا تزداد أهمية أعمال الخير في فصل الشتاء؟
لأن الشتاء لا يأتي وحده. يأتي ومعه التدفئة، والملابس الثقيلة، والأغطية، ومصاريف الدواء، وأحياناً إصلاح سقف أو نافذة لا تصمد أمام المطر. وإذا كان في البيت أطفال، نكتشف كعادتنا السنوية المدهشة أنهم قرروا أن يكبروا تماماً قبل موسم المعاطف والأحذية!
أما الأسرة التي تعيش أصلاً بميزانية محدودة، فقد تتحول هذه القائمة إلى مفاضلات قاسية: أيهما أولى هذا الأسبوع، الطعام أم الوقود؟ الدواء أم معطف الطفل؟
ولهذا يأخذ العطاء في الشتاء معنىً شديد العملية.
فالقرآن حين يصف البر لا يتركه معنىً جميلاً معلقاً في الهواء، بل ينقله سريعاً إلى حياة الناس:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
كأن المعنى يقول لنا: إن أردت أن تبحث عن أثر الإيمان، فانظر أين تذهب الأشياء التي تحبها حين يحتاج إليها غيرك. وفي الشتاء، أماكن الحاجة كثيرة.
أفكار لأعمال الخير في فصل الشتاء
لا تحتاج إلى تأسيس مبادرة، ولا إلى انتظار يوم عالمي، ولا إلى إعداد قائمة للعطاء. ابدأ بما أمامك.
هذه ليست نصيحة اقتصادية من جدّة حكيمة، وإن كانت الجدات سيوافقن عليها بالتأكيد. إنها وصية نبوية. ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي ذر رضي الله عنه:
«إذا طبخت مرقةً، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».
ما أجمل أن تأتي الوصية بهذه البساطة. لم يقل له: إذا اتسع رزقك يوماً فأقم وليمةً. بل أخذ شيئاً يحدث في البيت أصلاً: قدر على النار. هناك طعام يُطبخ، وهناك جار قريب؛ فليصل أحدهما إلى الآخر.
وهذه واحدة من أسهل الأفكار لفعل الخير في الشتاء حتى اليوم. إذا أعددت شوربةً أو يخنةً أو طبقاً يمكن زيادة كميته، فلماذا لا يخرج منه نصيب إلى جار مسنّ، أو قريب مريض، أو أسرة تعرف أن أيامها صعبة؟
زد كوباً من الماء، وحفنةً من العدس، وطبقاً على المائدة. فأحياناً تكون المسافة بين "طعامنا" و"صدقتنا" مغرفةً واحدةً فقط.
عند تجهيز سلة غذائية، من السهل أن نقف أمام الرف ونبحث تلقائياً عن الأرخص. لكن القرآن يرفع معيار العطاء قليلاً:
«لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ».
"مما تحبون". عبارة قصيرة، لكنها تغيّر طريقة ملء السلة.
ضع الأرز والزيت والعدس، نعم، فهذه أساسيات مهمة في إطعام المحتاجين في الشتاء. لكن أضف شيئاً تحبه أنت أيضاً. تمراً جيداً. فاكهةً. حلوى للأطفال. قهوةً أو شاياً جيداً.
فالأسرة المحتاجة لا تعيش على "الضروريات" بوصفها مفهوماً اقتصادياً. فيها طفل يحب الحلوى، وأب يفرح بفنجان قهوة، وأم تريد أن تضع شيئاً لذيذاً على المائدة كما نفعل جميعاً. والعطاء الذي يحفظ هذه التفاصيل أكثر إنسانيةً من صندوق محسوب بالسعرات وحدها.
كل بيت تقريباً لديه ذلك المعطف؛ حالته جيدة ودافئ ولا أحد يرتديه، ومع ذلك يحتفظ بمكان ممتاز في الخزانة منذ سنوات وكأنه يدفع الإيجار. ربما حان وقت خروجه.
توفير الملابس الشتوية من أبسط طرق مساعدة المحتاجين، خصوصاً للأطفال. ويمكن للأسرة أن تجعل فرز ملابس الشتاء عادةً سنويةً: ما الذي ما زلنا نستخدمه؟ ما الذي أصبح صغيراً؟ وما الذي يمكن أن ينتفع به شخص آخر؟
لكن الصدقة ليست طريقة للتخلص من الأشياء التالفة. أحسِ في صدقتك؛ كأن تغسل القطعة وتتأكد من حالتها وتطوها جيداً. واسأل نفسك سؤالاً بسيطاً: لو وصلت إليّ بهذه الحال، هل سأشعر أن من أعطاني إياها احترمني؟ إن كانت الإجابة نعم، ضعها في صندوق التبرع.
قد لا تكون البطانية أكثر التبرعات إثارةً للحديث، لكنها تعرف وظيفتها جيداً. في بيت قليل التدفئة، أو خيمة، أو مسكن مؤقت، يمكن لبطانية مناسبة أن تجعل ساعات الليل أيسر. ولهذا يدخل التبرع بالبطانيات ضمن الاحتياجات المهمة في كثير من مبادرات الشتاء، إلى جانب الملابس والغذاء ووسائل التدفئة وغيرها.
ومن الأفضل دائماً سؤال الجهة التي تتبرع من خلالها عما تحتاج إليه تحديداً؛ فقد تكون لديها بطانيات كافية، بينما ينقصها شيء آخر تماماً. فالهدف ليس أن نتبرع بما خطر لنا، بل أن نسد حاجةً موجودةً فعلاً.
هل يقتصر فعل الخير في الشتاء على التبرع بالمال؟
لحسن الحظ، لا. وإلا أصبح فعل الخير امتيازاً لمن يملك فائضاً في حسابه المصرفي.
وحديث:
«كل معروف صدقة»، يفتح لنا الباب واسعاً. أن تشتري حاجيات لجارك المسنّ في يوم ممطر معروف. أن توصل شخصاً إلى المستشفى معروف. أن تساعد في فرز الطرود أو توزيعها معروف. أن تصلح نافذةً يدخل منها الهواء إن كنت تستطيع معروف. أن تتفقد شخصاً يعيش وحده معروف.
بل ربما تكون بعض الأعمال التطوعية في الشتاء قائمةً على شيء نملكه ولا نحسبه مالاً أصلاً: ساعتان من الوقت، سيارة، مهارة في التصليح، قدرة على الطبخ، أو ذراعان تستطيعان حمل الصناديق.
تذكر: ليس ضرورياً أن نسأل أنفسنا دائماً: "ماذا أستطيع أن أشتري؟"
أحياناً يكون السؤال الأذكى: "ما الذي أجيده ويمكن أن ينفع أحداً؟"
كيف تختار الطريقة المناسبة لمساعدة المحتاجين؟
ابدأ من الحاجة، لا من الشيء الذي تريد إعطاءه. هذه قاعدة صغيرة توفر كثيراً من العطاء الذي يذهب إلى المكان الخطأ. إذا كنت تعرف الأسرة، فاسألها بلطف. قد تظن أنها تحتاج إلى الملابس، بينما مشكلتها الحقيقية دواء شهري. وقد تفكر في إرسال الطعام، بينما لديها مؤونة وتحتاج إلى إصلاح وسيلة التدفئة.
وإن لم تكن تعرف أسرةً بعينها، يمكن أن يكون التبرع في الشتاء من خلال جهة موثوقة تعرف احتياجات الأسر وتستطيع توجيه المساعدات إليها.
والسؤال نفسه يصلح عند إعداد أي مبادرة خيرية: هل نعطي ما لدينا، أم نعطي ما يحتاج إليه الناس؟ والفرق بين الاثنين أكبر مما يبدو.
اجعل للخير عادةً شتوية
لدينا عادات موسمية كثيرة. نخرج البطانيات في موعدها. نبحث عن المظلات بعد أول مطرة، لا قبلها طبعاً. نشتري مشروبات ساخنة أكثر مما نحتاج، ثم نختلف كل ليلة على درجة التدفئة المناسبة.
فلماذا لا تكون لنا عادة خيرية موسمية أيضاً؟
طبق إضافي كل جمعة، أو زيارة أسبوعية لقريب مسنّ، أوو مبلغ صغير تضعه الأسرة جانباً طوال الشتاء، أو صندوق يختار الأطفال ما يوضع فيه، أو اتفاق بسيط: كلما اشترينا شيئاً شتوياً جديداً، بحثنا إن كان لدينا شيء جيد يمكن أن نشاركه.
بهذا لا يصبح فعل الخير حدثاً ننتظر الحماس له، بل جزءاً من إيقاع البيت. وربما هنا نفهم بصورة أجمل قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّه﴾.
فالشيء الذي يخرج من يدك لا يضيع. نحن نسميه معطفاً خرج من الخزانة، أو طبقاً خرج من المطبخ، أو ساعةً خرجت من يوم مزدحم. والقرآن يسميه شيئاً قدّمته لنفسك.
هذا الشتاء، انظر حولك أولاً
قد تكون مساعدة الأسر المحتاجة أقرب مما نظن. وربما يكون أول شخص يحتاج إلى السؤال عنه خلف الباب المجاور، أو في قائمة الأرقام التي لم نتصل بأصحابها منذ مدة.
ويمكن أن يمتد الخير أبعد أيضاً. فمن خلال حملة الشتاء، يمكن للمساهمات أن تساعد في توفير بعض الاحتياجات الأساسية للأسر التي تواجه البرد بإمكانات محدودة، وفق احتياجاتها وبرامج الاستجابة المتاحة.
لكن سواء بدأت بصدقة، أو بطبق طعام، أو ببطانية، أو بساعة من وقتك، لا تنتظر عملاً ضخماً حتى تبدأ. فالوصية النبوية التي مررنا بها لم تبدأ بخزانة ممتلئة، ولا بمائدة فاخرة. بدأت بقدر عادي على النار.
"فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك".
ولعل في ذلك ما يكفي ليكون لنا برنامج خير كامل هذا الشتاء.