23 سبتمبر 2026
هناك علامات كثيرة نعرف بها أن الشتاء وصل. المعاطف التي عادت إلى المشجب، والغسيل الذي يحتاج دهراً ليجف، والنوافذ التي نغلقها قبل الغروب... ثم هناك العلامة التي تأتي من المطبخ: قدر كبير وُضع على النار.
ففي كثير من البلاد العربية، يتغير ما نشتهيه مع البرد. تعود الشوربات واليخنات والبقول، وتخرج وصفات نكاد لا نتذكرها طوال الصيف، ثم نستغرب كيف عشنا أشهراً من دونها
ما الذي يميز الأكلات الشتوية في الوطن العربي؟
إذا فتشنا في مطابخ المنطقة، سنلاحظ أن كثيراً من أكلات الشتاء تبدأ من مكونات شديدة البساطة: العدس، والحمص، والفاصولياء، والقمح، والأرز، والخضراوات الموسمية.
ثم يأتي الوقت ليصنع الباقي. فهي في الغالب أطباق تُطهى على مهل، وتؤكل ساخنةً، ويمكن إعداد قدر كبير منها يكفي أفراد الأسرة جميعاً.
ولعل هذا أحد أسرار ارتباطها بالبيت. فطبق الشتاء العربي نادراً ما يبدو وحيداً؛ حوله خبز، وليمون، ومخللات، وأيدٍ تمتد إلى المائدة، وشخص يسأل للمرة الثانية إن كان بقي شيء في القدر.
أشهر الأكلات الشتوية في الوطن العربي
تختلف القائمة بمجرد عبورنا من بلد إلى آخر. ففي بلاد الشام ومصر والعراق ودول عربية أخرى، تتصدر شوربة العدس المشهد بسهولة. وصفاتها تختلف، لكن العدس والماء والتوابل يستطيعون، بمساعدة بصلة هنا وكمون هناك، صناعة واحدة من أكثر وجبات الشتاء ألفةً.
وفي المغرب نجد الحريرة الغنية بالطماطم والعدس والحمص والأعشاب والتوابل، بينما تحمل موائد شمال أفريقيا أطباقاً أخرى من الشوربات والبقول والكسكس الساخن.
وفي مصر، تأتي أطباق مثل الكشري بما فيها من عدس وأرز ومكرونة وحمص، بينما يحضر الحمص والفول بأشكال مختلفة على موائد عربية كثيرة. وفي الخليج، تلائم أطباق مثل الهريس الشتاء تماماً؛ قمح ولحم وطهي طويل ينتهي بطبق كثيف ودافئ.
وقد تختلف الوصفات، لكن المبدأ يكاد يكون واحداً: شيء ساخن، مشبع، ويُفضّل أن يكون منه ما يكفي للغد أيضاً. فالقدر الكبير اختراع عربي اقتصادي بامتياز.
أشهر الأكلات الشتوية في فلسطين
وللشتاء الفلسطيني روائحه الخاصة. هناك شوربة العدس بالطبع؛ طبق بسيط يعرف طريقه إلى البيوت مع أول موجة برد تقريباً. وهناك أطباق تعتمد على الحبوب والبقول والخضراوات الموسمية، إلى جانب أطعمة ترتبط بمواسم الشتاء وما تمنحه الأرض في هذا الوقت من العام.
ومن الأكلات الشعبية المفتول الفلسطيني، بحباته المصنوعة من البرغل والدقيق، والذي يقدم ساخناً مع المرق والحمص والخضراوات أو اللحم والدجاج. إنه من الأطباق التي لا تستعجلها النار ولا تؤكل على عجل.
أما المسخّن، فله علاقة أخرى بالموسم. فبعد قطاف الزيتون وعصره، يكون زيت الزيتون الجديد حاضراً بقوة في البيوت. وهنا يأتي المسخن بخبز الطابون المشرب بزيت الزيتون، والبصل المطهو والسماق، والدجاج والصنوبر بحسب الوصفة.
قد لا يكون المسخّن "طبق شتاء" حصرياً بالمعنى الحرفي، لكن علاقته بموسم الزيت والزيتون تجعله قريباً من ذاكرة الخريف والشتاء الفلسطينيين.
وللبقول نصيب كبير أيضاً. فهناك المجدرة بأشكالها المختلفة، حيث يلتقي العدس بالأرز أو البرغل والبصل، في طبق بسيط يعرف كيف يشبع عدداً كبيراً من الناس من مكونات قليلة. وهناك أطباق الفاصولياء والحمص واليخنات التي تُطهى على نار هادئة وتصل إلى المائدة ساخنةً.
وفي بعض البيوت قد تكون الوجبة الشتوية أبسط بكثير من كل ذلك: خبز ساخن، وزيت زيتون جديد، وزعتر، وكوب شاي. فلا يحتاج الشتاء دائماً إلى وليمة. أحياناً يُعرف البيت أنه دافئ من رائحة فطائر الزعتر وحدها.
الطعام الدافئ ليس متاحاً للجميع في الشتاء
لكن سهولة الحديث عن "طبق شتوي دافئ" تخفي شيئاً نأخذه غالباً كأمر مسلم به. لكي يصل قدر العدس إلى المائدة، نحتاج إلى العدس والماء والزيت، وإلى موقد أو وقود للطهي، وإلى مكان يمكن إعداد الطعام فيه.
وهذه الأشياء البسيطة قد لا تجتمع لدى كل أسرة. إذ تزداد صعوبة الأمر على الأسر النازحة أو التي تعيش في مخيمات ومساكن مؤقتة، وعلى الأسر التي تضطر إلى توزيع دخل محدود بين الغذاء والتدفئة والدواء والملابس وغيرها من الضروريات. عندها لا يعود السؤال: "ماذا سنطبخ اليوم؟" بل قد يصبح: "هل لدينا ما نطبخه؟"
كيف يمكن أن تساعد في توفير الطعام للأسر المحتاجة هذا الشتاء؟
ربما لهذا كان للطعام مكان خاص في معنى التكافل عندنا. فالقدر الذي يكفي خمسة قد يتسع لطبق سادس. وكيس الأرز أو العدس يمكن أن يجد طريقه إلى بيت جار. وسلة من المواد الأساسية قد تعني لأسرة أخرى وجبات لعدة أيام.
يمكن أن نبدأ بمن حولنا: قريب ضاقت به الحال، أو جار مسنّ لا يطلب، أو أسرة نعرف أن نفقات الشتاء أثقلت ميزانيتها.
ومن خلال حملة الشتاء، يمكن لمساهمتك أن تساعد في توفير الغذاء وغيره من الاحتياجات الأساسية للأسر التي تواجه الأشهر الباردة بموارد محدودة.
وفي النهاية، ربما لا تكون أجمل صفة في أكلات الشتاء العربية أنها ساخنة أو مشبعة. بل أن معظمها يبدأ بقدر يتسع، بطبيعته، لأكثر من شخص.