الشتاء غنيمة العابدين: موسم للعبادة والدعاء والعطاء

الشتاء غنيمة العابدين

للفصول أثرها في حياة الإنسان، غير أن الشتاء يبدو أكثرها قدرةً على تغيير إيقاع اليوم نفسه. يقصر النهار، ويطول الليل، ويكثر المكث في البيوت، ويتبدل ما اعتدناه من مواعيد النوم والطعام والخروج. 

وقد رأى المسلمون منذ القدم في هذا التغير فرصةً تتجاوز الاحتماء من البرد وانتظار اعتدال الطقس؛ فالليل الطويل يفسح وقتاً للقيام والذكر وقراءة القرآن، والنهار القصير يهوّن مشقة الصيام، والمطر يوقظ معنى الرجاء، والبرد يذكّر بنعم ربما لا نستشعر قيمتها في سائر العام.

 ومن هنا ارتبط الشتاء في التراث الإسلامي بمعنى جميل هو "غنيمة العابدين": فصل يمكن أن يجد فيه المؤمن أبواباً من العبادة قد تكون أيسر مما هي عليه في غيره.

لماذا وصف السلف الشتاء بأنه غنيمة العابدين؟

وردت عن السلف عبارات كثيرة في الفرح بقدوم الشتاء واغتنام طول ليله وقصر نهاره، وهو معنى يكشف نظرةً مختلفةً إلى الفصل الذي نميل عادةً إلى الشكوى منه. 

فطول الليل، الذي قد يبدو ثقيلاً على من ينتظر الصباح، يمنح من أراد قيام الليل فسحةً يستطيع فيها أن يصلي وينام من غير أن يجور أحدهما على الآخر، كما يجعل قصر النهار صيام التطوع أيسر على كثير من الناس.

ولا تكمن الفكرة في تحويل الشتاء إلى برنامج شاق من العبادات، وإنما في الانتباه إلى الفرص التي جاءت مع تغير الوقت. قد تكون ركعتين قبل الفجر، أو ورداً من القرآن في مساء طويل، أو يوماً من الصيام، أو دقائق يخلو فيها الإنسان بنفسه بعد أن يهدأ البيت. وربما كان هذا أحد أجمل معاني العبادة في الشتاء: أن نرى في تغير أحوال الدنيا فرصةً لتغيير شيء في أحوالنا نحن أيضاً.

كسوة مسكين
المطر: نعمة تنزل من السماء ودعاء يصعد إليها

المطر: نعمة تنزل من السماء ودعاء يصعد إليها

للمطر مكانة خاصة في وجدان الناس؛ ينتظره المزارع، وتنتعش به الأرض، ويتغير الهواء بعد نزوله، ويشعر الإنسان أمامه بشيء من رهبة الطبيعة ورحمتها في آن واحد. وفي السنة النبوية ما يعلّم المسلم أن يستقبل هذه النعمة بالدعاء، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند نزول المطر: "اللهم صيّباً نافعاً".

ولعل جمال دعاء المطر في قصره ومعناه معاً؛ فنحن لا نسأل نزول الماء فحسب، بل نسأل نفعه. والمطر الذي تحيا به الأرض قد يشتد حتى يضر الناس والبيوت والزرع، ولذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عند كثرة المطر وخشية ضرره فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». وفي هذا الدعاء معنى لطيف: لا نسأل زوال النعمة، وإنما نسأل أن يُصرف عنا ضررها وأن يبلغ خيرها مواضعه.

وحين نعرف ماذا نقول عند نزول المطر، لا يعود تغير الطقس مشهداً يمر من أمام النافذة فحسب؛ بل يصبح لحظةً تستدعي الحمد والدعاء والتفكر. وربما ذكّرنا المطر أيضاً بمن لا يستقبلونه من وراء سقف محكم، بل يخشون أن يتسرب إلى فراشهم أو يغمر خيامهم أو يزيد برد ليلتهم.

عيادة متنقلة في غزة
وماذا نقول عند هبوب الرياح؟

وماذا نقول عند هبوب الرياح؟

الريح من مظاهر الشتاء التي نشعر أمامها بضعف قدرتنا على التحكم في العالم من حولنا، ولا سيما حين تشتد في ليلة باردة. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح، وعلّم المسلمين أن يسألوا الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أُرسلت به، وأن يستعيذوا به من شرها وشر ما فيها وشر ما أُرسلت به.

وتمنحنا هذه السنة معنىً يتجاوز حفظ دعاء الريح نفسه؛ فهي تهذب الطريقة التي نستقبل بها ما لا نملك التحكم فيه. فلا نتضايق من الطقس ولا نسب الريح، بل نتوجه إلى الله الذي يسخرها، نسأله الخير والعافية وندفع بالدعاء ما نخشاه من الضرر.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحضر عند الحديث عن الدعاء عند تغير الطقس: ليس لكل تغير جوي عبارة محفوظة بالضرورة، لكن باب الدعاء مفتوح في كل حين.

تصدق بنية الشفاء
هل هناك دعاء خاص عند شدة البرد؟

هل هناك دعاء خاص عند شدة البرد؟

تنتشر في الشتاء نصوص كثيرة تحت عنوان "دعاء البرد"، ويُنسب بعضها إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير تثبت.

ولم يثبت دعاء نبوي مخصوص يقال كلما اشتد البرد على النحو الذي تشتهر به بعض الصيغ المتداولة، ولا يعني ذلك أن يقف المسلم أمام البرد بلا دعاء. فله أن يسأل الله العافية والحفظ، وأن يدعو لنفسه وأهله، وأن يستعيذ به من الضرر، من غير أن ينسب إلى السنة لفظاً لم يثبت فيها.

وربما كان في شدة البرد باب آخر للذكر لا يحتاج إلى صيغة مخصوصة: أن يتذكر الإنسان نعمة السقف والكساء والفراش والتدفئة. فكم من نعمة لا نكاد ننتبه إليها إلا حين نرى حال من فقدها.

صندوق مستشفى الإيمان

كيف نحول الشتاء إلى موسم للخير؟

إذا كان طول الليل وقصر النهار يفتحان أبواباً للعبادة، فإن البرد يفتح باباً آخر: أن نشعر بحاجة غيرنا. ويمكن أن نجعل هذا المعنى جزءاً بسيطاً من عادات الشتاء اليومية:

  • زد حصةً إلى الطعام الذي تطبخه: حين تعد حساءً أو وجبةً دافئةً، فكر في جار مسنّ، أو أسرة تعرف أنها تمر بظرف صعب. أحياناً لا يحتاج فعل الخير إلى طبخ مختلف، بل إلى أن يتسع القدر قليلاً.

  • افتح خزانة الشتاء قبل أن تذهب للتسوق: قد تجد معطفاً جيداً لم تعد ترتديه، أو ملابس أطفال صغرت عليهم، أو بطانيةً زائدةً. اغسل ما يصلح منها ورتبه وقدمه كما تحب أن يصلك أنت؛ فالتبرع ليس طريقةً للتخلص مما لا يصلح.

  • اسأل كبار السن من حولك عن احتياجاتهم: قد يكون شراء الدواء، أو إحضار بعض الحاجات، أو الاطمئنان إلى وسيلة التدفئة في البيت أنفع لهم من هدية لا يحتاجون إليها.

  • اجعل لأطفالك دوراً في العطاء: يمكنهم اختيار قطعة شتوية جيدة للتبرع بها، أو تخصيص جزء من مصروفهم، أو المساعدة في إعداد صندوق للأسرة المحتاجة. وهكذا يتعلم الطفل أن الصدقة ليست فكرةً يسمع عنها، بل عادةً يمارسها.

  • لا تنتظر موجة البرد حتى تبدأ المساعدة: المعطف أنفع قبل أن يخرج الطفل إلى صباح شديد البرودة، والبطانية أنفع قبل الليلة الماطرة، وإصلاح تسرب في سقف بيت فقير أجدى قبل أن تمتلئ الغرفة بالماء.

  • اسأل عن الحاجة قبل أن تقرر المساعدة: ربما تفكر في بطانية بينما تحتاج الأسرة إلى طعام، أو تجمع الملابس بينما تكون الأولوية لمستلزمات أخرى. السؤال البسيط يحفظ الموارد ويجعل العطاء أقرب إلى حاجة الناس الفعلية.

وهكذا تكتسب أعمال الخير في فصل الشتاء معناها الأعمق. وقد قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ فالآية تنقل العطاء من إخراج ما استغنينا عنه إلى مشاركة الناس شيئاً له قيمة في نفوسنا.

ويكتمل معنى فضل الشتاء في الإسلام حين تجتمع فيه العبادة التي تصلح القلب بالرحمة التي تظهر في العمل. فمن السهل أن نستشعر نعمة الدفء ونحن في بيوتنا، لكن الشكر يصبح أصدق حين يجعلنا نسأل عن بيت آخر، وننتبه إلى من يواجهون البرد من غير ما نملكه من أسباب الحماية.

وفر الكساء للسودان
هل هناك دعاء خاص عند شدة البرد؟

اجعل شتاءك موسماً للعبادة والعطاء

سيمضي الشتاء كما مضت فصول كثيرة قبله، وستطول الأيام من جديد، وتعود البطانيات والمعاطف الثقيلة إلى الخزائن. لكن ما اكتسبناه فيه لا يلزم أن ينتهي بانتهائه. قد تبقى عادة قيام بدأناها في ليلة طويلة، أو صيام ألفناه حين كان النهار قصيراً، أو دعاء تعلمناه مع أول المطر، أو عادةً جديدةً في السؤال عن جار ومساعدة أسرة ومشاركة ما نملك.

ومن خلال حملة الشتاء، يمكن أن يمتد هذا المعنى إلى الأسر التي تواجه البرد والمطر بإمكانات محدودة، فتكون المساهمة في احتياجاتها، بحسب برامج الاستجابة المتاحة، باباً من أبواب الخير في هذا الموسم.

ولعل هذا هو المعنى الأجمل في وصف الشتاء بأنه غنيمة: أن الغنيمة ليست في طول ليله وحده ولا في قصر نهاره، بل في كل ما يوقظه في الإنسان من عبادة وشكر ورحمة. فمن عرف نعمة الدفء، كان أجدر به أن يحمد الله عليها، وأجمل بحمده أن يجعل منها نصيباً لغيره.

إيصال الحاويات الطبية

تبرع الآن
عودة للأخبار