المناعة تبدأ من المائدة: ماذا نأكل في الشتاء؟

المناعة تبدأ من المائدة

مع حلول الشتاء، يعود الحديث عن الأطعمة التي تقوّي المناعة: البرتقال، والزنجبيل، والثوم، والعسل. حتى يبدو أحياناً أن جهازاً بالغ التعقيد في أجسامنا ينتظر كوباً من الليمون ليبدأ عمله!

الحقيقة أكثر إثارة للاهتمام. فلا يوجد طعام واحد يمنحنا مناعة قوية، وجهاز المناعة شبكة معقدة من الخلايا والأنسجة والأعضاء، ويحتاج إلى البروتين والطاقة وعدد من الفيتامينات والمعادن ليؤدي وظائفه بصورة طبيعية. والنظام الغذائي المتنوع، إلى جانب النوم والنشاط البدني والعادات الصحية، هو ما يصنع الفارق على المدى الطويل.

والأكثر إثارة أن جزءاً مهماً من هذه الحكاية يحدث في مكان قد لا يخطر على البال: الأمعاء.

خيام للنازحين في غزة
الأمعاء والمناعة: علاقة أقرب مما نتصور

الأمعاء والمناعة: علاقة أقرب مما نتصور

تعيش في أمعائنا مجتمعات هائلة من الكائنات الدقيقة، تُعرف مجتمعةً باسم ميكروبيوم الأمعاء. وهذه الكائنات ليست مجرد ضيوف؛ إذ تتفاعل مع الجسم وتشارك في هضم بعض مكونات الطعام وإنتاج مركبات مختلفة، كما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوظائف الجهاز المناعي.

وهنا يأتي دور الغذاء. إذ تستفيد بكتيريا الأمعاء النافعة من أنواع من الألياف الموجودة في البقول والحبوب الكاملة والخضراوات والفواكه. وعندما تخمّر بعض هذه الألياف، تنتج مركبات، منها الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، التي ترتبط بصحة بطانة الأمعاء وتنظيم بعض الاستجابات المناعية.

أي أن طبق العدس الذي نحبّه في الشتاء لا يمنحنا الشبع فحسب؛ بل يقدّم أيضاً أليافاً تستفيد منها ميكروبات الأمعاء.

محطة مياه قرية الزهور
ماذا تُطعِم البكتيريا النافعة؟

ماذا تُطعِم البكتيريا النافعة؟

تُعرف بعض مكونات الغذاء التي تستفيد منها ميكروبات الأمعاء باسم البريبايوتيك (Prebiotics)، وتوجد طبيعياً في أطعمة مختلفة مثل البصل والثوم والبقول والحبوب الكاملة وبعض الفواكه والخضراوات.

وهناك أيضاً الأطعمة المخمّرة، مثل اللبن أو الزبادي المحتوي على مزارع حية وبعض الخضراوات المخمّرة، التي يمكن أن تضيف كائنات دقيقة نافعة إلى الغذاء.

لكن التنوع هو الأهم. فبدلاً من البحث عن منتج باهظ الثمن يحمل عبارة "صديق للأمعاء"، يمكن أن تبدأ الحكاية ببساطة من مائدة غنية بالنباتات والبقول والحبوب الكاملة.

وجبات ساخنة للنازحين في غزة
فيتامين C مهم، لكن ليس لوحده

فيتامين C مهم، لكن ليس لوحده

يؤدي فيتامين C دوراً مهماً في وظائف الجهاز المناعي، وتوفره الحمضيات والفلفل وبعض الفواكه والخضراوات. لكن المناعة تعتمد على عناصر غذائية عديدة أخرى.

ففيتامين A مهم أيضاً للحفاظ على الأنسجة والحواجز الطبيعية في الجسم، ويمكن الحصول على مركبات يحولها الجسم إليه من أطعمة مثل الجزر والقرع والبطاطا الحلوة والخضراوات الورقية. أما الزنك فيشارك في وظائف العديد من الخلايا المناعية، وتوفره اللحوم والبيض ومنتجات الألبان والبقول والمكسرات والحبوب.

ويظل البروتين أساسياً؛ فالجسم يحتاج إلى الأحماض الأمينية لبناء كثير من البروتينات والخلايا التي تدخل في الاستجابة المناعية. لذلك فإن العدس والحمص والبيض واللبن والأسماك واللحوم ليست مجرد أطعمة مشبعة، بل مصادر لمواد يحتاج إليها الجسم باستمرار.

صندوق الشتاء اليمني
وماذا عن فيتامين D؟

وماذا عن فيتامين D؟

لفيتامين D دور في تنظيم وظائف الجهاز المناعي، ويحصل الجسم على جزء مهم منه عبر تعرّض الجلد لأشعة الشمس، كما يوجد في بعض الأغذية.

وفي الشتاء، قد يقل التعرض للشمس لدى بعض الأشخاص بسبب قصر النهار والبقاء داخل الأماكن المغلقة. لكن هذا لا يعني أن الجميع يحتاجون تلقائياً إلى المكمّلات؛ فالحاجة إليها والجرعة المناسبة تختلفان باختلاف الشخص وحالته الصحية، ويُفضّل تحديدهما بناءً على المشورة الطبية عند الحاجة.

العيادة المتنقلة في غزة

إذاً، ماذا نضع على مائدة الشتاء؟

لا نحتاج إلى قائمة طويلة من الأطعمة الخارقة. قدر من العدس، وخضراوات متنوعة، وفاكهة موسمية، وحبوب كاملة، ومصدر جيد للبروتين، ولبن أو زبادي... مائدة بسيطة كهذه قد تمنح الجسم ما هو أنفع من مطاردة وصفة سحرية للمناعة.

والأهم أن ننظر إلى الغذاء كنمط مستمر، لا كعلاج نلجأ إليه عندما نصاب بالزكام.

هذا الشتاء... لنتذكر مائدةً أخرى

لكن الحديث عن تنويع الغذاء يقودنا إلى حقيقة أخرى: الغذاء المتوازن ليس متاحاً للجميع بالقدر نفسه. فحين تجتمع كلفة الطعام مع التدفئة والكساء وغيرها من نفقات الشتاء، قد تجد بعض الأسر نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين احتياجات أساسية لا ينبغي أن تتنافس أصلاً.

لذلك، ونحن نملأ سلالنا بالخضراوات والبقول والفاكهة، لنتذكر جاراً أو أسرةً قد تحتاج إلى بعض المؤونة، ولنتفقد من حولنا قبل أن يشتد البرد.

ومن خلال حملة الشتاء، يمكن لمساهمتك أن تساعد في إيصال الغذاء ولوازم الشتاء إلى أسر تحتاج إليها. فالمائدة التي تغذّي أجسادنا يمكنها، حين نتقاسمها، أن تحمل شيئاً من العافية إلى بيت آخر أيضاً.

وفر الطرود الغذائية لمن هم في أمس الحاجة إليها

تبرع الآن
عودة للأخبار