01 أكتوبر 2026
قد تُخبر طفلك عشر مرات عن فضل الصدقة وضرورتها، فيهز رأسه موافقاً ثم يعود إلى لعبته. لكن المشهد يختلف حين يراك تضع علبةً إضافيةً من الطعام في عربة التسوق وتقول: "هذه لأسرة تحتاج إليها"، أو حين تطلب منه أن يساعدك في اختيار معطف شتوي لطفل في عمره.
فالأطفال يفهمون القيم حين يرونها تتحرك أمامهم. وهذا ما يجعل الشتاء فرصةً جميلةً لتعليم الأطفال الصدقة. فمعنى الحاجة يصبح قريباً مما يعرفه الطفل بنفسه: هو يشعر بالبرد، ويعرف لماذا يرتدي معطفه، ويحب فراشه الدافئ حين تمطر، وينتظر الطعام الساخن بعد عودته إلى البيت. ومن هذه الأشياء المألوفة يمكن أن يبدأ حديث بسيط عن أطفال يحتاجون إلى بعض ما نملكه نحن.
لماذا يعتبر الشتاء فرصةً جيدةً لتعليم الأطفال العطاء؟
لأن النعم التي نريد أن نشرحها للطفل تصبح محسوسةً أمامه.
فبدلاً من أن نقول له إن بعض الناس "محتاجون" ونترك الكلمة كبيرةً وغامضةً في ذهنه، نستطيع أن نبدأ من تجربة يعرفها:
"هل شعرت بالبرد هذا الصباح قبل أن ترتدي معطفك؟ تخيل لو لم يكن لديك معطف مناسب."
ليس الهدف أن نشعر الطفل بالذنب لأنه دافئ، ولا أن نجعله يخاف من العالم خارج بيته. الأجمل أن نساعده على ملاحظة النعمة، ثم نريه أن الشكر عليها يمكن أن يتحول إلى فعل. وهنا يلتقي تعليم الأطفال العطاء بمعنى الصدقة في الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. والطفل يستطيع أن يفهم هذا المعنى بلغته: العطاء ليس أن نتخلص من الشيء الذي لا نريده، بل أن نستطيع مشاركة شيء جيد مع غيرنا.
كيف نعلّم الطفل معنى الصدقة والعطاء؟
لا يحتاج الأمر إلى محاضرة عائلية عن فضائل الإنفاق. في الغالب، يكفي أن يرى الطفل كيف تتصرف أسرته.
حين تطبخون طعاماً لجار مريض، أخبروه لماذا. وحين تتبرعون، اجعلوه يعرف أن جزءاً من مال الأسرة يذهب لمساعدة الآخرين.
وحين تختارون ملابس للتبرع بها، لا تضعوا أمامه الملابس الممزقة وتقولوا: "هذه للفقراء"، لأن الرسالة التي سيتعلمها حينها ليست الكرم، بل أن الآخرين يستحقون ما لم نعد نريده.
يمكن بدلاً من ذلك أن نسأله: "هل هذه القطعة جيدة بحيث يسعد طفل آخر بارتدائها؟" سؤال صغير، لكنه يعلّم الطفل شيئاً كبيراً عن فعل الخير: أن العطاء لا ينفصل عن احترام من نعطيه.
كيف نعلّم الأطفال العطاء بحسب أعمارهم؟
ليس المطلوب من الطفل الصغير أن يفهم الفقر كما يفهمه المراهق، ولا من المراهق أن يكتفي بالمساعدة البسيطة التي تسعد طفلاً في الخامسة. يمكن أن يكبر معنى العطاء مع الطفل نفسه.
من 3 إلى 5 سنوات: اجعل العطاء شيئاً يراه ويلمسه. في هذه السن، لا نحتاج إلى شرح طويل عن الصدقة. دعه يضع علبة الطعام في الصندوق، أو يساعدك في ترتيب ملابس شتوية نظيفة، أو يختار معك بطانيةً للتبرع بها. يكفي أن تقول: "سنرسل هذه إلى أسرة تحتاج إليها في الشتاء." الفكرة هنا أن يرتبط العطاء في ذهنه بفعل بسيط ومحبب، لا بمشاهد مخيفة أو شعور بالذنب.
من 6 إلى 9 سنوات: أعطه اختياراً حقيقياً. يستطيع الطفل الآن أن يفهم أن الناس لا يملكون الأشياء نفسها. يمكن أن تطلب منه اختيار معطف صغر عليه لكنه ما زال جيداً، أو المساهمة في إعداد وجبة، أو تخصيص جزء صغير يختاره من مصروفه. ويمكن سؤاله: "ماذا تعتقد أن طفلاً في عمرك يحتاج في يوم بارد؟" حين يفكر في الإجابة بنفسه، يصبح العطاء أقرب إلى التعاطف منه إلى تنفيذ تعليمات الكبار.
من 10 إلى 12 سنة: انتقل من المشاركة إلى المسؤولية. يستطيع الطفل في هذه المرحلة أن يتولى جزءاً صغيراً من العمل؛ كإعداد قائمة لمحتويات صندوق شتوي وفق احتياجات حددتها جهة موثوقة، أو فرز الملابس والتأكد من صلاحيتها، أو البحث مع والديه عن مبادرة يمكن للأسرة المشاركة فيها. هنا يبدأ تعليم الأطفال فعل الخير بالانتقال من "ساعدني" إلى "ما الذي تستطيع أن تتولاه؟".
من 13 إلى 15 سنة: افتح باب النقاش، لا باب الأوامر. المراهق قادر على فهم أسئلة أوسع: لماذا تحتاج بعض الأسر إلى المساعدة؟ لماذا لا يكون التبرع بأي شيء مفيداً بالضرورة؟ كيف نحفظ كرامة من نساعده؟ ويمكن أن يشارك في عمل تطوعي مناسب لعمره، أو يساعد في تنظيم حملة مدرسية، أو يقرر كيف يخصص جزءاً من ماله للعطاء. المهم ألا يتحول الأمر إلى نشاط يفرضه الوالدان ليقال إنه "تطوع".
من 16 سنة فما فوق: دعه يبني طريقته الخاصة في الخير. في هذه المرحلة يمكن للشاب أن يبحث في الجهات التي يدعمها، ويقارن بين طرق المساعدة، ويشارك في التطوع وفق الأنظمة المناسبة لعمره، أو يخصص مبلغاً دورياً من مصروفه أو دخله.
والأهم أن نمنحه مساحةً ليختار القضية التي تعنيه؛ فهدف تربية الأطفال على العطاء في النهاية أن يصل الابن إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى من يذكّره كل مرة بأن يساعد.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الأعمار كحدود صارمة؛ فالأطفال يختلفون في نضجهم وتجاربهم. القاعدة الأبسط هي أن نعطي الطفل مسؤوليةً يستطيع حملها، ثم نزيدها قليلاً كلما كبر.
هل يجب أن يكون العطاء بالمال؟
من المهم ألا يرتبط معنى الصدقة في ذهن الطفل بالمال وحده؛ وإلا ظن أن فعل الخير مؤجل إلى أن يكبر ويصبح له دخل. يمكنه أن يعطي من وقته، وأن يساعد في إعداد الطعام، وأن يزور قريباً، وأن يخدم شخصاً مسناً، وأن يشارك شيئاً يملكه. وفي الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة». وحين يفهم الطفل هذا المعنى، يصبح الخير شيئاً يستطيع ممارسته الآن، لا درساً يستعد لتطبيقه في المستقبل.
كيف نتحدث مع الأطفال عن أطفال يواجهون الشتاء في ظروف صعبة؟
لا نحتاج إلى صور قاسية حتى نوقظ الرحمة في الطفل. يكفي أن نشرح له، بقدر ما يسمح به عمره، أن بعض الأسر لا تملك بيتاً دافئاً أو ملابس كافيةً أو ما تحتاج إليه في الشتاء. ثم نحول الحديث من الألم إلى القدرة على المساعدة.
مع الطفل الصغير نقول: "هناك طفل يحتاج إلى ملابس دافئة، هل نجهز له شيئاً؟". ومع الأكبر يمكن أن نتحدث عن النزوح أو الفقر أو فقدان المأوى بوضوح أكبر، مع ترك مساحة لأسئلته.
فالغاية ليست أن يشعر الطفل بالسوء لأنه يملك ما يحتاج إليه، وإنما أن يتعلم أن ملاحظة حاجة الآخرين يمكن أن يتبعها عمل نافع.
كيف نحول العطاء إلى عادة وليس نشاطاً موسمياً؟
قد يكون الشتاء بدايةً ممتازةً، لكنه لا ينبغي أن يكون الموعد الوحيد للخير. يمكن أن تكون للأسرة حصالة للصدقة طوال العام، أو موعد دوري يختار فيه الأطفال شيئاً يفعلونه للآخرين، أو عادة زيارة قريب كبير في السن، أو مشاركة الطعام مع جار، أو تخصيص جزء من المصروف للعطاء.
ومع مرور السنوات، تتغير صورة المشاركة. الطفل الذي كان يضع علبة الطعام في الصندوق قد يصبح هو من يقترح إعداد الصندوق، ثم يصبح مراهقاً يبحث عن الجهة التي ستصله إليها.
وهذه ربما أجمل علامة على نجاح التربية على العطاء: أن تسمع ابنك يوماً يسأل من تلقاء نفسه:"كيف يمكننا أن نساعد؟"
اجعل طفلك جزءاً من الخير هذا الشتاء
حين تشارك الأسرة في أعمال الخير في الشتاء، يمكن أن يكون لكل طفل دور يناسب سنه. ومن خلال حملة الشتاء، تستطيع الأسرة التعرف إلى الاحتياجات التي تعمل البرامج على تلبيتها، ثم إشراك الأبناء في المساهمة بالطريقة التي يستطيعون فهمها والمشاركة فيها.
فالمعطف الذي يختاره طفل في السادسة، والمبلغ الذي يدخره طفل في العاشرة، وساعات التطوع التي يقدمها مراهق، ليست أفعالاً متساويةً في صورتها، لكنها قد تنبت من الجذر نفسه.
فنحن لا نعلّم أبناءنا كيف يعطون شيئاً فحسب؛ بل نعلّمهم أن يكبروا وهم يرون أن للآخرين نصيباً من اهتمامهم.