18 يونيو 2026
في الشتاء، نخاف على النازحين من البرد والمطر. لكن المخيمات في الصيف لا تقل قسوة؛ فالخيمة التي لا تقي من المطر لا تقي كذلك من لهيب الشمس، والغبار، ونقص الماء، وانتشار الحشرات، وازدحام الأسر في مساحات ضيقة ومكتظة. هنا لا يكون الصيف فصل عطلة أو راحة، بل موسمًا تتضاعف فيه معاناة النازحين في المخيمات، وتصبح فيه صحة النازحين على المحك كل يوم.
تقدّر مفوضية اللاجئين أن أكثر من 120 مليون شخص أُجبروا على النزوح حول العالم، وأن 90 مليون نازح يعيشون في بلدان عالية أو شديدة التعرض للمخاطر المرتبطة بالطقس، فيما يُتوقع أن تتحمل مخيمات ومستوطنات اللاجئين أيامًا أكثر من الحرارة الخطرة بحلول منتصف القرن.
لماذا تصبح حياة النازحين أكثر صعوبة خلال موجات الحر؟
لأن النزوح يسلب الإنسان أول أدوات الحماية: البيت. في مخيمات النزوح، لا توجد جدران عازلة، ولا تهوية كافية، ولا ظل دائم، ولا ماء بارد متاح طوال اليوم. ومع ارتفاع الحرارة، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة، وترتفع مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري، خاصة عندما تضطر الأسر إلى الوقوف في طوابير الماء أو الطعام تحت الشمس.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الحرارة الشديدة تزيد خطر الإجهاد الحراري وضربة الشمس، وتضغط على القلب والكلى، وقد تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي والسكري والصحة النفسية، كما أن آثار موجات الحر قد تظهر سريعًا في اليوم نفسه أو الأيام التالية.
كيف تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على المرضى داخل المخيمات؟
بالنسبة إلى المرضى في المخيمات، لا تكون الحرارة مجرد طقسٍ مزعج؛ فقد تعني تدهورًا صحيًا حقيقيًا. مريض الربو يحتاج هواءً أنقى ودواءً قريبًا، ومريض الكلى يحتاج سوائل ورعاية منتظمة، ومريض السكري يتأثر بالجفاف واضطراب التغذية، وكبار السن قد لا يشعرون بالعطش بالسرعة الكافية. لذلك، فإن الرعاية الصحية للنازحين ليست خدمة إضافية، بل خط دفاع يحفظ الحياة.
في غزة، تشير تقارير حديثة إلى أن معظم السكان ما زالوا نازحين في أماكن مكتظة، مع نقص في المياه الآمنة وتراكم النفايات، مما يجذب الحشرات والقوارض ويزيد الأمراض، خصوصًا بين الأطفال. كما أفادت تقارير يونيو 2026 بأن الأمراض المعدية شكّلت 20% من الاستشارات المرصودة، وأن التهابات الجهاز التنفسي الحادة كانت السبب الأكبر للمرض.
ما المخاطر الصحية التي يسببها الغبار لمرضى الربو والجهاز التنفسي؟
يظهر تأثير الغبار على الصحة بقوة في الصيف، خاصة في المخيمات المكشوفة أو القريبة من الطرق الترابية ومناطق الركام. ذرات الغبار الدقيقة تدخل إلى الجهاز التنفسي، وتزيد السعال، وتهيّج حساسية الأنف، وقد تسبب نوبات ربو أو تفاقم الالتهابات الصدرية. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن التعرض لمستويات عالية من الجسيمات الدقيقة قد يقلل وظائف الرئة، ويزيد التهابات الجهاز التنفسي، ويفاقم الربو، وأن الأطفال وكبار السن والحوامل أكثر عرضة للتأثر بتلوث الهواء.
ولهذا، فإن مسألة النازحين والأمراض في الصيف لا ترتبط بالحرارة وحدها، بل بمنظومة كاملة: غبار، ازدحام، ماء غير آمن، قلة صابون وأدوات نظافة، نفايات قريبة، وغياب عيادة قريبة يمكن الوصول إليها عند أول علامة خطر.
كيف تؤثر ظروف المخيمات على انتشار الأمراض خلال فصل الصيف؟
كلما زاد الازدحام، قلّت الخصوصية والنظافة والتهوية. وكلما تراكمت النفايات أو نقصت المياه، انتشرت الحشرات والقوارض والأمراض الجلدية والإسهالات والتهابات العيون والجهاز التنفسي. في غزة، حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن الأسر النازحة في المواقع المكتظة والمباني المتضررة والملاجئ المؤقتة ستواجه درجات حرارة صيفية شديدة، بينما تستمر تحديات المياه والصرف الصحي والنظافة وتزايد الأمراض الجلدية والعدوى.
وفي السودان، حيث يعيش الملايين وسط أكبر أزمات النزوح، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في 2026، بينهم 7.4 مليون نازح داخليًا، بينما لا تعمل نحو 40% من المرافق الصحية، وتنتشر الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك وسط نظام صحي منهك.
أما في سوريا، فقد قدّرت منظمة الصحة العالمية أن 16.5 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مع استمرار تهديدات الأمراض المعدية، والجفاف، ونقص المياه الآمنة، وضعف المرافق الصحية ونقص الأدوية والكوادر.
لماذا يحتاج النازحون إلى خدمات طبية قريبة منهم؟
لأن المسافة قد تتحول إلى خطر داهم. الأم التي ترتفع درجة حرارة طفلها لا تستطيع دائمًا دفع تكلفة المواصلات. ومريض الربو لا يملك وقتًا طويلًا أثناء النوبة. والمرأة الحامل تحتاج متابعة قبل أن تتحول الأعراض إلى طارئ. لذلك، فإن الخدمات الطبية في المخيمات، وخاصة العيادات المتنقلة، تساعد في اكتشاف الحالات مبكرًا، وتوفير العلاج الأساسي، وإحالة الحالات الخطرة، وتقديم التوعية حول الوقاية من الجفاف والأمراض المعدية.
هذه هي قيمة الرعاية الطبية في الأزمات: أن تصل إلى الناس حين لا يستطيعون الوصول إليها.
أسئلة شائعة
كيف تساعد العيادات والخدمات الطبية في حماية الأسر داخل المخيمات؟
تقدم الكشف والعلاج، وتتابع الأمراض المزمنة، وتوفر أدوية أساسية، وتراقب أي بوادر انتشار للأوبئة قبل أن تتسع.
كيف يواجه الأطفال وكبار السن مخاطر الصيف في مناطق النزوح؟
الأطفال أكثر عرضة للجفاف والإسهال والالتهابات الجلدية والتنفسية، وكبار السن أكثر تأثرًا بالحرارة والأمراض المزمنة. لذلك فإن صحة الأطفال في المخيمات وكبار السن تحتاج متابعة قريبة ومستمرة.
ما التحديات الصحية التي تواجه الأسر النازحة في مناطق مثل غزة والسودان وسوريا؟
أبرزها نقص المياه الآمنة، وتضرر المرافق الصحية، وانتشار الأمراض، وسوء التغذية، والغبار، وارتفاع الحرارة، وصعوبة الوصول إلى العلاج.
كيف حث الإسلام على رعاية المرضى وتخفيف معاناتهم؟
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]. وقال النبي ﷺ: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» رواه مسلم.
كيف يمكن أن تكون الرعاية الصحية صدقة تُخفف الألم وتحفظ الحياة؟
حين تساهم في دواء، أو كشف طبي، أو عيادة متنقلة، أو علاج طفل مريض، فأنت لا تخفف ألمًا عابرًا فقط؛ أنت تحفظ كرامة إنسان، وتمنح أسرة فرصة للنجاة.