01 سبتمبر 2026
تبدأ رحلة الإنسان مع المعرفة من كلمة، وقد حمل أول الوحي دعوة خالدة إلى القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. فالقدرة على القراءة والكتابة أساس للتعلم، ووسيلة لفهم الحقوق، والوصول إلى الفرص، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، ما زال 739 مليون شاب وبالغ حول العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، كما لا يصل أربعة من كل عشرة أطفال إلى الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة في القراءة.
وتكشف تقديرات اليونسكو الأحدث أن نحو 273 مليون طفل وشاب كانوا خارج المدرسة في عام 2024. وتؤكد هذه الأرقام أن محو الأمية ما زال مسؤولية عالمية تتطلب تعاون الحكومات والمجتمعات والمؤسسات الإنسانية والأفراد.
ما هو اليوم الدولي لمحو الأمية؟
يوافق اليوم الدولي لمحو الأمية، الذي يُعرف أيضًا باسم اليوم العالمي لمحو الأمية، الثامن من سبتمبر كل عام. وقد بدأت اليونسكو إحياءه عالميًا عام 1967، بعد إقراره في عام 1966، لتسليط الضوء على مكانة القراءة والكتابة بوصفهما حقًا إنسانيًا وأساسًا لبناء مجتمعات أكثر عدلًا وسلامًا واستدامة.
وفي عام 2026، تحل الذكرى الستون لإقرار المناسبة تحت شعار «محو الأمية من أجل الإنسان والكوكب والازدهار». ويعكس هذا الشعار اتساع مفهوم الأمية في عصرنا؛ فالإنسان يحتاج إلى مهارات لغوية ورقمية ومالية وصحية تمكّنه من التعامل مع المعرفة والخدمات والتكنولوجيا بثقة وأمان.
ويمنح هذا اليوم العالم فرصة لتقييم ما تحقق، وفهم الفجوات المتبقية، وتجديد الالتزام تجاه كل طفل أو شاب أو بالغ حُرم من فرصة التعلم.
لماذا يعد محو الأمية مهمًا للأطفال والمجتمعات؟
تظهر أهمية محو الأمية منذ السنوات الأولى من حياة الطفل. فالقراءة تساعده على فهم دروسه، والتعبير عن أفكاره، وتطوير خياله، بينما تمنحه الكتابة والمهارات الحسابية أدوات يحتاجها في مختلف مراحل التعليم والعمل والحياة.
وتشمل آثار محو الأمية:
لهذا ترتبط أهمية التعليم بقدرة الإنسان على إدارة حياته بوعي، والمساهمة في تنمية مجتمعه، وحماية نفسه من الاستغلال والمعلومات المضللة. وكل طفل يتقن القراءة والكتابة يكتسب مفتاحًا يفتح أمامه أبوابًا جديدة من المعرفة والاختيار.
ما أبرز العوائق التي تمنع الأطفال من الحصول على التعليم؟
تتعدد أسباب حرمان الأطفال من المدرسة، وغالبًا ما تتداخل لتصنع حاجزًا يصعب على الأسرة تجاوزه وحدها. ومن أبرزها:
وتزداد هذه العوائق في سياق التعليم في الدول الفقيرة، حيث قد تتحول تكلفة حقيبة أو وجبة مدرسية إلى سبب مباشر لانقطاع الطفل عن الدراسة. لذلك يحتاج تعليم الأطفال إلى منظومة دعم تشمل المدرسة الآمنة، والمعلم المؤهل، والغذاء، والحماية، والرعاية النفسية، والبيئة الأسرية المشجعة.
كيف تؤثر الأزمات الإنسانية على محو الأمية والتعليم؟
تؤدي الحروب والكوارث والنزوح إلى إغلاق المدارس أو تدميرها، وتشتيت الطلاب والمعلمين، وانقطاع الأطفال عن الدراسة لأشهر أو سنوات. وقد تتحول بعض المدارس إلى مراكز إيواء، بينما تعجز الأسر النازحة عن شراء اللوازم أو الوصول إلى أماكن التعلم.
وبحسب تحليل نشرته اليونيسف في عام 2026، يوجد ما لا يقل عن 30 مليون طفل خارج المدرسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أي نحو طفل من كل ثلاثة أطفال في 12 دولة، معظمها دول هشة أو متأثرة بالنزاعات. كما يحتاج 234 مليون طفل في سن الدراسة يعيشون ضمن بيئات الأزمات إلى دعم عاجل للحصول على تعليم جيد.
ويحمل الانقطاع الطويل خطر فقدان المهارات التي سبق للطفل اكتسابها، وارتفاع احتمالات التسرب وعمالة الأطفال والزواج المبكر والاستغلال. من هنا تبرز ضرورة حماية التعليم في مناطق الأزمات بوصفه استجابة إنسانية عاجلة تمنح الطفل الأمان والروتين والدعم النفسي والأمل.
كيف تساهم الحملات الإنسانية في نشر التعليم؟
تعمل الحملات الإنسانية على معالجة الأسباب العملية التي تحول بين الطفل والمدرسة. وقد تشمل تدخلاتها:
ويظهر دور العمل الإنساني في التعليم في الوصول إلى الفئات التي قد تغيب عن الخطط التقليدية، مثل الأطفال النازحين واللاجئين والأيتام وأطفال الشوارع وذوي الإعاقة. وبذلك تصبح حملات دعم التعليم جسرًا يعيد الطفل إلى التعلم ويحمي مستقبله من آثار الأزمة.
ما العلاقة بين محو الأمية ومكافحة الفقر؟
يرتبط الفقر والأمية بعلاقة متبادلة؛ فقد يمنع الفقر الطفل من الالتحاق بالمدرسة، ثم يؤدي ضعف التعليم إلى تضييق فرصه الاقتصادية مستقبلًا. أما اكتساب المعرفة والمهارات، فيرفع قدرة الإنسان على العمل والإنتاج وإدارة موارده وفهم حقوقه والاستفادة من الخدمات المتاحة.
كما تمتد الفائدة إلى الأجيال التالية، لأن الوالدين المتعلمين يكونان أكثر قدرة على متابعة دراسة أطفالهما ودعم صحتهم وتغذيتهم. ولهذا يمثل نشر التعليم خطوة أساسية لكسر دائرة الفقر وبناء مجتمعات أقدر على مواجهة الأزمات والتعافي منها.
كيف يمكن للأفراد المساهمة في دعم التعليم ومحو الأمية؟
يمكن لكل فرد أن يشارك في دعم الأطفال بالتعليم من خلال:
ويحمل دعم العلم بابًا واسعًا من الأجر؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. وقد يستمر أثر مساهمة صغيرة سنوات طويلة كلما انتفع الطفل بما تعلمه ونقله إلى غيره.
لنكن جزءًا من الحل
في عالم يموجُ بالتحديات، قد يبدو التغيير مهمة ضخمة… لكنه يبدأ بخطوة.
التعليم طوق نجاة، فلنكن نحن من يرمي هذا الطوق في يد من يحتاجه. لأنّ التبرع ليس فقط ما نقدمه، بل الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.