25 أغسطس 2026
كان الذهاب إلى المدرسة جزءًا طبيعيًا من حياة ملايين الأطفال في السودان: حقيبة صغيرة، ودفاتر تنتظر كلمات جديدةٍ تكتبُ بخطوطٍ طفوليةٍ مبعثرة، وأصدقاء يتشاركون الطريق والفصل والطعام والأحلام. لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بدّلت هذا المشهد كليًا؛ فأُغلقت مدارس، وتضررت أخرى، ونزحت أسر وعائلات بأكملها بعيدًا عن مجتمعاتها وانتُزعت من جذورها، ووجد أطفال كثيرون أنفسهم أمام سنوات دراسية وأحلام معلقة ومستقبل تزداد ملامحه غموضًا يومًا بعد يوم.
أصبح التعليم في السودان في ظل الحرب معركة يومية من أجل حماية حق أساسي، وإعادة شيء من الاستقرار إلى حياة جيل نشأ وسط الخوف والنزوح وفقدان الأمان والأمل. وبينما تتواصل الجهود لإعادة فتح المدارس، ما زال ملايين الأطفال في السودان ينتظرون فرصة آمنة للعودة إلى مقاعد الدراسة.
ما هو واقع التعليم في السودان في ظل الحرب؟
يواجه التعليم في السودان واحدة من أشد الأزمات التعليمية في العالم. ووفق أحدث بيانات اليونيسف الصادرة في أغسطس 2026، لا يزال ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، بينهم نحو 4.1 مليون فتاة. كما أن قرابة نصف المباني المدرسية في البلاد لم تعد قادرة على أداء وظيفتها التعليمية. ووُثّق أكثر من 67 اعتداءً على المدارس، إلى جانب أكثر من 154 حالة استُخدمت فيها المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية. وفي دارفور وحدها، تضرر نحو 73% من المدارس أو دُمّر أو أصبح خارج الخدمة منذ بدء الصراع.
تكشف هذه الأرقام جانبًا من تأثير الحرب على التعليم في السودان، لكن الواقع الإنساني أوسع من الإحصاءات. فقد تعطلت رواتب معلمين، ونزح كثير من الكوادر التعليمية، وتوقفت خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي التي تحتاج إليها المدارس كي تفتح أبوابها بأمان.
وتتفاوت فرص العودة إلى الدراسة بين الولايات؛ إذ يستطيع بعض الأطفال الالتحاق بمدارس أعيد فتحها، بينما يبقى آخرون في مناطق القتال أو مخيمات النزوح أو المجتمعات البعيدة عن أي مساحة تعليمية. وهكذا صار التعليم في ظل الحرب مرتبطًا بالمكان، والأمان، وقدرة الأسرة على تحمّل تكاليف الانتقال والمستلزمات.
كيف أثرت الحرب على مستقبل الأطفال في السودان؟
يمتد أثر الحرب على الأطفال في السودان إلى صحتهم النفسية ونموهم الاجتماعي وفرصهم المستقبلية. فالطفل الذي يغيب عن المدرسة لأشهر أو سنوات قد يفقد مهارات القراءة والحساب التي اكتسبها، ويصعب عليه تعويض الفاقد التعليمي أو العودة إلى صف يناسب عمره.
كما يواجه الأطفال المنقطعون عن التعليم مخاطر أكبر، منها:
وقد نزح أكثر من تسعة ملايين شخص داخل السودان، يشكل الأطفال ثلاثة من كل خمسة منهم، وفق اليونيسف. ويعني النزوح المتكرر أن الطفل قد يبدأ الدراسة في مكان ثم يضطر إلى تركه مرة أخرى، فتتراكم الفجوات التعليمية والنفسية.
لهذا يرتبط مستقبل الأطفال في السودان بقدرتهم على استعادة حقهم في التعلم قبل أن يتحول الانقطاع المؤقت إلى حرمان دائم.
أبرز التحديات التي تواجه التعليم في السودان
تتداخل تحديات التعليم في السودان، ويتضاعف أثر كل منها بفعل استمرار القتال والنزوح. ومن أبرزها:
أدت الهجمات والقصف والنهب والاستخدام العسكري إلى تعطيل آلاف الفصول. وحتى عند بقاء المبنى قائمًا، قد تمنع مخلفات الحرب أو غياب المياه والمرافق الصحية الأطفال من استخدامه بأمان.
تقيم أسر كثيرة في مخيمات أو مناطق تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، بينما تعاني المدارس المتاحة من الاكتظاظ ونقص المقاعد والمعلمين. ويجد بعض الأطفال أنفسهم أمام رحلة طويلة أو خطرة للوصول إلى أقرب فصل.
أثّر توقف الرواتب ونزوح الكوادر في استمرارية التدريس، كما تفتقر مدارس ومساحات تعليمية كثيرة إلى الكتب والقرطاسية والأثاث والمناهج المناسبة لتعويض ما فُقد.
دفعت الأزمة بعض الأسر إلى إعطاء الأولوية لتأمين الطعام والماء والدواء، وقد يضطر الطفل إلى العمل أو جمع المياه بدلًا من الدراسة. كما تؤثر الصدمات والخوف والفقد في التركيز والذاكرة والقدرة على التفاعل داخل الفصل.
هذه صعوبات التعليم في السودان تفسر لماذا يحتاج التعافي إلى حماية متكاملة تشمل المدرسة والطفل والمعلم والأسرة معًا.
لماذا يعد استمرار التعليم مهمًا للأطفال في السودان؟
توفر المدرسة للطفل روتينًا يوميًا ومساحة آمنة للتعلم والتواصل، وتساعده على استعادة الإحساس بالاستقرار بعد تجارب النزوح والخوف. ويمكن للمعلمين المدربين ملاحظة علامات الضيق النفسي أو العنف والاستغلال، ثم إحالة الطفل إلى خدمات الحماية والدعم المناسبة.
كما يمنح التعليم الأطفال المعرفة التي تساعدهم على تجنب مخلفات الحرب والأمراض والمخاطر المحيطة بهم. وعلى المدى البعيد، يهيئ جيلًا قادرًا على المشاركة في إعادة إعمار بلاده، وبناء الاقتصاد، وترسيخ السلام والتماسك المجتمعي.
وقد رفع الإسلام منزلة العلم وأهله، فقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. وقال رسول الله ﷺ: «مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم. ومن هنا، فإن حماية أطفال السودان والتعليم الذي يصون أحلامهم مسؤولية إنسانية تحمل أجرًا وأثرًا ممتدًا.
ما دور المؤسسات والمنظمات في دعم التعليم في السودان؟
تؤدي المؤسسات الإنسانية دورًا أساسيًا في تحويل المبادرات التعليمية في السودان إلى فرص حقيقية للأطفال، عبر تقييم الاحتياجات، وتأهيل المدارس، وإنشاء الفصول المؤقتة، وتوفير المستلزمات، وتدريب المعلمين، والوصول إلى الفتيات والأطفال النازحين وذوي الإعاقة.
ويحتاج دعم التعليم في السودان أيضًا إلى تنسيق مستمر بين المجتمعات المحلية والجهات التعليمية والمنظمات، حتى تُوزع الموارد بعدالة وتُعتمد مسارات تعليمية وشهادات موحدة تحفظ حقوق الطلاب أينما وجدوا.
ما مستقبل التعليم في السودان؟
يتوقف مستقبل التعليم في السودان على حماية المدارس من الهجمات، وإنهاء استخدامها العسكري، وتأمين تمويل مستدام لإعادة البناء واستعادة المعلمين وتوفير فرص التعلم المرن. وبرغم قسوة الواقع، تثبت عودة بعض الفصول وظهور المساحات التعليمية المجتمعية أن إنقاذ العام الدراسي وحماية جيل كامل ما زالا ممكنين.
كل حقيبة مدرسية، وكل فصل آمن، وكل معلم يستطيع مواصلة رسالته قد يعيد إلى طفل سوداني طريقًا ظن أنه أُغلق. ومن خلال دعم مشاريع هيومان أبيل التعليمية والإنسانية، يمكن الإسهام في منح الأطفال فرصة للتعلم، والتعافي، وبناء مستقبل يستحقونه.