21 أغسطس 2026
لم تعد المدرسة في غزة ذلك المكان الذي يبدأ فيه الطفل صباحه بين زملائه، ويحمل إليه كتبه ودفاتره، ويعود منه محمّلًا بواجباته وأحلامه الصغيرة. فقد امتدت آثار الحرب إلى كل تفاصيل الحياة، وكان التعليم واحدًا من أكثر القطاعات تضررًا، مع تدمير المدارس، والنزوح المتكرر، وفقدان المعلمين والطلاب، وتعطل الدراسة لفترات طويلة.
وبحسب اليونيسف، فات نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا التعليم المدرسي النظامي المباشر لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تضرر نحو 98% من مباني المدارس في القطاع، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبرى أو إعادة بناء كاملة.
هذه الأرقام تكشف حجم تحديات التعليم في غزة، لكنها لا تختصرها؛ فخلف كل رقم طفل يحاول ألّا يخسر مستقبله إلى جانب ما خسره بالفعل.
ما هو واقع التعليم في غزة في ظل الظروف الحالية؟
يعكس واقع التعليم في غزة أزمة مركبة؛ إذ لا يتعلق الأمر بتوقف الحصص الدراسية وحدها، وإنما بتضرر المنظومة التي تجعل التعليم ممكنًا أصلًا: المدرسة الآمنة، والمعلم، والكتاب، والمقعد، والاستقرار الأسري والنفسي.
وتشير اليونيسف إلى أن نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال تقريبًا، لم يكن لديهم حتى أبريل 2026 أي فرصة للوصول إلى التعليم المباشر وجهًا لوجه. كما بلغ حجم الركام في أنحاء القطاع نحو 60 مليون طن، ما يزيد صعوبة التنقل الآمن إلى مساحات التعلم المتاحة.
وهكذا أصبح التعليم في غزة في ظل الظروف الحالية مرتبطًا بتحديات يومية تتجاوز المنهج الدراسي، من البحث عن مكان آمن للتعلم إلى توفير أبسط المستلزمات والقدرة على التركيز وسط النزوح والضغوط النفسية.
أبرز التحديات التي تواجه التعليم في غزة
تضرر المدارس والمنشآت التعليمية
تمثل الأضرار الواسعة التي لحقت بـ المدارس في غزة أحد أكبر العوائق أمام استعادة التعليم. وتفيد اليونسكو بأن 97% من المدارس كانت قد تعرضت لشكل من أشكال الضرر بحلول يوليو 2025، وأن 518 مدرسة من أصل 564 تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل كبيرة حتى تصبح صالحة للاستخدام مجددًا.
انقطاع الدراسة وصعوبة الوصول إلى التعليم
أدى النزوح وانعدام الأمان وتضرر الطرق والمرافق إلى انقطاع طويل عن الدراسة. ومع مرور الوقت، تتراكم الفجوات في القراءة والكتابة والحساب وغيرها من المهارات الأساسية، ويصبح تعويض السنوات الدراسية المفقودة أكثر تعقيدًا.
نقص الموارد والمستلزمات التعليمية
تبدأ صعوبات التعليم في غزة من أبسط الأشياء: قلم، دفتر، كتاب ومكان مناسب للجلوس. وقد أشارت اليونيسف إلى أن المستلزمات المدرسية الأساسية ظلت بعيدة عن متناول الأطفال لأكثر من عامين، ولم تبدأ حقائب المستلزمات التعليمية التابعة لها في الدخول إلا في يناير 2026.
التأثير النفسي على الأطفال
لا يستطيع الطفل فصل ما يحدث داخل الصف عما يعيشه خارجه. وتقدّر اليونيسف أن قرابة مليون طفل في غزة يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي. فالخوف والفقد والنزوح وعدم اليقين كلها عوامل يمكن أن تؤثر في التركيز والذاكرة والرغبة في التعلم.
صعوبة استمرار المعلمين في أداء دورهم
المعلمون أنفسهم جزء من المجتمع المتضرر؛ يواجهون النزوح والفقد ونقص الموارد والظروف المعيشية القاسية. ولذلك فإن حماية المعلمين ودعمهم وتوفير الأدوات والتدريب اللازم لهم جزء أساسي من أي خطة جادة لاستعادة التعليم في فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة.
كيف أثرت الظروف الحالية على الأطفال والطلاب في غزة؟
يمتد تأثير الظروف الحالية على التعليم في غزة إلى التحصيل الدراسي والنمو النفسي والاجتماعي معًا. فالتعليم يمنح الطفل نظامًا يوميًا وشعورًا بالاستقرار، ويتيح له التفاعل مع أقرانه وبناء مهاراته واكتشاف قدراته.
أما الانقطاع المطول فيهدد باتساع الفجوة التعليمية، خاصة بين الأطفال الذين يستطيعون الوصول إلى بدائل تعليمية وأولئك الذين تحول ظروف النزوح أو الفقر أو الإصابة دون ذلك.
ويواجه المراهقون مخاطر إضافية؛ إذ تحذر اليونيسف من ارتفاع احتمالات التسرب الدائم من التعليم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعمل المبكر وغيرها من الظروف. كما وصل نحو 56 ألف طفل إلى سن دخول المدرسة خلال الأزمة، ليبدأ بعضهم رحلته التعليمية دون أن يكون قد عرف من قبل نظام الصف الدراسي المعتاد.
لهذا فإن تحديات التعليم في غزة للأطفال اليوم قد تمتد آثارها سنوات طويلة ما لم تُعالج بخطط للتعليم الاستدراكي وتعويض الفاقد التعليمي.
ما مصير التعليم في غزة؟
السؤال عن مستقبل التعليم في غزة يرتبط بقدرة المجتمع الإنساني والمؤسسات التعليمية على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة البناء.
وقد بدأت مساحات التعلم المؤقتة والمبادرات التعليمية في توفير فرص محدودة للعودة إلى الدراسة. وبحلول نهاية مارس 2026، كانت اليونيسف قد وصلت بخدمات التعلم إلى أكثر من 195 ألف طفل عبر مراكز التعلم التي تدعمها.
لكن استعادة المنظومة التعليمية على نطاق واسع تتطلب إعادة بناء المدارس وتأهيلها، وإزالة المخاطر من محيطها، وتعويض الفاقد التعليمي، ودعم المعلمين، وإعادة توفير بيئة مستقرة يستطيع فيها الطلاب في غزة التعلم بأمان.
الخاتمة
يبقى مستقبل الطلاب في غزة مرهونًا بما يُبذل اليوم لحماية حقهم في التعلم. فإعادة فتح مساحة تعليمية، وتوفير حقيبة وكتاب، ودعم معلم، ومساعدة طفل على تعويض ما فاته؛ كلها خطوات تحفظ صلته بالتعليم وتمنحه فرصة للاستمرار.
ومع ضخامة الدمار، ما زال الأطفال يحاولون التعلم، والمعلمون يحاولون الوصول إليهم، والمبادرات التعليمية تبحث عن مساحات يمكن أن يعود فيها الدرس من جديد. ودعم التعليم اليوم يعني حماية جيل كامل من أن تتحول سنوات الحرب إلى فجوة دائمة في مستقبله.