15 يوليو 2026
تُعيد الأزمات تشكيل حياة الأسر من جذورها؛ فتتعطل سبل الرزق، وتتبدل المسؤوليات، وتجد كثير من النساء أنفسهن في مواجهة أعباء معيشية متزايدة، من تأمين الغذاء والدواء إلى رعاية الأطفال والحفاظ على استمرارهم في التعليم. وفي حالات كثيرة، تتحمل المرأة مسؤولية إعالة الأسرة كاملة بعد وفاة الزوج أو إصابته أو تشتت أفراد العائلة بسبب النزوح.
وتبقى المساعدات الإنسانية ضرورة عاجلة لحماية الأسر وتوفير احتياجاتها الأساسية، إلا أن التعافي الحقيقي يحتاج إلى ما يمنحها قدرة أوسع على الاستقلال والتخطيط والاستمرار. ومن هنا تأتي أهمية التمكين الاقتصادي للمرأة؛ فهو يفتح أمامها سبيلًا لتحويل خبراتها ومهاراتها إلى مورد رزق، ويمنح الأسرة دخلًا أكثر استقرارًا، ويساعدها على استعادة الأمان والكرامة وبناء مستقبل أقل هشاشة.
لماذا تحتاج النساء في المخيمات إلى فرص عمل بعد النزوح؟
تفقد الأسر النازحة أثناء الأزمات كثيرًا من مقومات الاستقرار: المنزل، والأرض، والعمل، وشبكات الدعم الاجتماعي. وتواجه النساء في المخيمات صعوبات إضافية، منها مسؤوليات رعاية الأطفال وكبار السن، وندرة وسائل النقل، وضعف الوصول إلى الأسواق والتدريب والتمويل.
وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن 55% من اللاجئين كانوا يعيشون عام 2023 في بلدان يظل فيها الوصول الفعلي إلى العمل الرسمي مقيدًا أو غير متاح، رغم التحسن التدريجي في بعض السياقات.
لذلك، يجب أن يجمع دعم النساء في المخيمات بين الحماية وفرص الكسب الآمن والملائم لظروفهن. وقد تكون البداية تدريبًا قصيرًا، أو أدوات إنتاج، أو منحة صغيرة، أو مساحة آمنة للعمل، أو ربطًا بسوق محلي. تمنح هذه التدخلات المرأة وسيلة عملية لتغطية احتياجات أسرتها، وتخفف اعتمادها الكامل على مساعدات قد تتأخر أو تتراجع مع مرور الوقت.
كيف يساعد التمكين الاقتصادي المرأة على إعالة أسرتها؟
يعني تمكين المرأة اقتصاديًا أن تمتلك المهارات والموارد والقدرة على الوصول إلى فرصة عمل أو إنشاء مشروع، وأن تتمكن من إدارة دخلها واتخاذ قرارات مالية واعية. وعندما تكسب المرأة دخلًا منتظمًا، تستطيع الأسرة شراء الغذاء، ودفع تكاليف العلاج، وتوفير مستلزمات المدرسة، وتسديد الإيجار أو تحسين المأوى.
وترتبط زيادة دخل النساء، وفق دراسات للبنك الدولي، بارتفاع الإنفاق على رفاه الأسرة واحتياجات الأطفال، ومنها التغذية والرعاية الصحية والتعليم. ولهذا يصبح التمكين الاقتصادي أداة مباشرة في دعم الأسر المتضررة، خاصة حين تكون المرأة مسؤولة عن أطفالها أو تعيش داخل أسرة فقدت مصدر رزقها الأساسي.
وتعيد فرصة العمل إلى المرأة ثقتها بقدرتها على الإنجاز، وتوسع مساحة الاختيار أمامها، وتساعدها على التعامل مع الأزمات بدرجة أكبر من المرونة والاستقلال.
ما أنواع المشاريع الصغيرة التي يمكن أن تنفذها النساء في البيئات محدودة الموارد؟
تنجح المشاريع الصغيرة للنساء حين تُصمم وفق احتياجات السوق المحلي، وخبرة المشاركات، والوقت المتاح لهن، وتكاليف المواد والنقل. ومن النماذج الممكنة:
وتوفر المشاريع المنزلية مرونة مهمة للأمهات، لأنها تسمح بالجمع بين رعاية الأسرة والإنتاج. غير أن نجاح هذه المشروعات يحتاج إلى التدريب على التسعير، وإدارة التكاليف، وضبط الجودة، والتسويق، والادخار، وفهم الطلب المحلي، إلى جانب توفير المعدات.
ويؤكد نهج منظمة العمل الدولية في تنمية المشروعات أهمية الجمع بين المهارات الفنية وريادة الأعمال والوصول إلى السوق؛ بهدف إيجاد فرص عمل أفضل وأكثر استدامة.
كيف ينعكس دخل بسيط على استقرار الأسرة وتعليم الأطفال؟
قد يبدو دخل المشروع الصغير محدودًا، لكنه قادر على تغيير تفاصيل يومية كثيرة. تستطيع الأم شراء وجبات أكثر تنوعًا، أو دفع أجرة المواصلات إلى المدرسة، أو توفير الدفاتر والزي، أو شراء دواء من دون الاضطرار إلى الاقتراض. كما يقل احتمال لجوء الأسرة إلى خيارات مؤلمة، مثل إخراج طفل من التعليم، أو بيع أدواتها الأساسية، أو تراكم الديون.
يساعد الدخل المنتظم، حتى إن كان متواضعًا، على تنظيم ميزانية المنزل ومواجهة النفقات الطارئة. ويمنح الأطفال بيئة أكثر استقرارًا، لأن قلق الأسرة بشأن الوجبة التالية أو تكلفة العلاج يخف تدريجيًا. ومع الوقت، قد تتحول المشاريع المنزلية إلى أصول اقتصادية صغيرة قابلة للتطوير، وقد تتيح فرص عمل لنساء أخريات داخل المجتمع. وهكذا ينتقل أثر المشروع من صاحبة العمل إلى أطفالها وأسرتها ومحيطها.
لماذا يعد تمكين النساء استثمارًا في مستقبل الأسرة والمجتمع؟
حين تحصل المرأة على التدريب المهني للنساء والأدوات اللازمة، ينتقل أثر الفرصة إلى نطاق أوسع. تتحسن قدرة الأسرة على الصمود، ويزداد انتظام الأطفال في التعليم، وتنشط الأسواق المحلية، وتظهر خدمات ومنتجات يحتاج إليها المجتمع.
وبذلك يصبح تمكين الأسر جزءًا من التنمية المستدامة، لأن الموارد تُستخدم في بناء قدرة إنتاجية تستمر بعد انتهاء التدخل الإنساني. كما تساهم المرأة المنتجة في تنشيط الاقتصاد المحلي، وشراء المواد من التجار، وتبادل الخبرات، وخلق فرص جديدة داخل مجتمعها.
ويُظهر أحد برامج منظمة العمل الدولية في ولاية النيل الأبيض بالسودان كيف يمكن للتدريب العملي أن يدعم النساء النازحات ونساء المجتمعات المضيفة؛ إذ استهدف البرنامج تزويد ألف امرأة بمهارات زراعية تساعدهن على توسيع الإنتاج والوصول إلى الأسواق. ويبين هذا النموذج أن دعم سبل العيش المستدامة يمكن أن يخدم التعافي الاقتصادي والتماسك المجتمعي معًا.
كيف حث الإسلام على العمل والكسب الحلال وإعانة الأسر المحتاجة؟
كرّم الإسلام العمل، وأقر للمرأة حقها في الكسب، فقال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾[النساء: 32] وقال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15] وفي الآيتين تأكيد لقيمة السعي وطلب الرزق من أبوابه المشروعة.
وقال رسول الله ﷺ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» رواه البخاري.
يجمع الحديث بين قيمة العمل وصون الكرامة. كما أن إعانة المحتاج على امتلاك أداة للكسب تفتح أمامه باب رزق قد يستمر نفعه سنوات، وتساعده على رعاية أسرته بجهده ومهارته.
كيف يمكن لفرصة عمل واحدة أن تغير مستقبل أسرة كاملة؟
قد تبدأ القصة بماكينة خياطة، أو أدوات طهي، أو بذور، أو دورة تدريبية، أو منحة صغيرة. ثم تتحول هذه البداية إلى طلب أول، ودخل أول، وقدرة متزايدة على شراء الضروريات. وبعدها تستطيع المرأة توسيع المشروع، والادخار، وتعليم أبنائها، وربما تدريب امرأة أخرى.
هذا هو جوهر سبل العيش المستدامة: مساعدة الإنسان على استخدام قدراته كي يشارك في بناء مستقبله. ومن خلال برامج التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير الأدوات والمنح والإرشاد، تساند هيومان أبيل النساء والأسر النازحة في الانتقال من الهشاشة إلى الإنتاج، ومن القلق اليومي إلى قدر أكبر من الاستقرار.
إن تمكين امرأة من العمل يعني دعم أسرة كاملة؛ فكل مهارة تُكتسب، وكل مشروع يُطلق، وكل مصدر دخل يُحمى، يفتح بابًا للأمان والتعليم والتعافي. وبمساهمتك في مشاريع التمكين الاقتصادي للمرأة، يمكن أن تمنح امرأة معيلة فرصة تحفظ كرامتها، وتقوي أسرتها، وتزرع أثرًا يبقى بعد انقضاء الأزمة.