ما أبرز التحديات والمشكلات النفسية التي يواجهها اللاجئون والنازحون؟

الصحة النفسية للاجئين والنازحين

لا ينتهي أثر الحرب أو الكارثة عند لحظة مغادرة المنزل. فقد ينجو الإنسان بجسده، لكنه يحمل معه صور الخوف، وألم الفقد، والقلق من الغد، وذاكرة المكان الذي اضطر إلى تركه. ولهذا تمثل الصحة النفسية للاجئين والنازحين جانبًا أساسيًا من جوانب الحماية الإنسانية، وليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد توفير الغذاء والمأوى.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم المتضررين من الطوارئ يمرون بدرجات مختلفة من الضيق النفسي، وأن نحو واحد من كل خمسة أشخاص عاشوا حربًا أو نزاعًا خلال السنوات العشر السابقة قد يعاني اضطرابات نفسية، منها الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. ومع ذلك، لا تعني المعاناة النفسية ضعفًا في الإيمان أو الشخصية؛ بل قد تكون استجابة إنسانية طبيعية لأحداث قاسية وغير طبيعية.

عمليات الشفة المشقوقة لأطفال اليمن
كيف يؤثر فقدان المنزل والاستقرار على الصحة النفسية للنازحين؟

كيف يؤثر فقدان المنزل والاستقرار على الصحة النفسية للنازحين؟

المنزل ليس سقفًا وجدرانًا فقط؛ إنه مساحة للأمان والخصوصية والذكريات والعلاقات اليومية. وعندما يُجبر الإنسان على الرحيل فجأة، قد يشعر بأنه فقد جزءًا من هويته وحياته السابقة. لذلك ترتبط آثار النزوح النفسية بالحزن العميق، والارتباك، والشعور بالعجز، والخوف من تكرار الخطر.

وقد يرافق النزوح فقدان أحد أفراد الأسرة، أو انقطاع مصدر الدخل، أو تشتت الأقارب، أو الانتقال المتكرر بين أماكن غير مستقرة. وتتراكم هذه الضغوط لتؤثر في الصحة النفسية للنازحين، فتظهر صعوبات النوم، والتوتر المستمر، وفقدان الدافعية، وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل.


ما المشاعر والتحديات النفسية التي يواجهها اللاجئون والنازحون بعد الأزمات؟

تختلف الاستجابات من شخص إلى آخر، لكن أبرز المشاعر المرتبطة بـ النزوح والصحة النفسية تشمل الخوف، والحزن، والوحدة، والغضب، والشعور بالذنب بسبب النجاة، والحنين إلى الوطن، والقلق على أفراد الأسرة. ويُعد القلق والخوف لدى النازحين من أكثر الاستجابات شيوعًا، خصوصًا عندما يستمر التهديد أو تغيب المعلومات الواضحة عن المستقبل.

وقد يواجه بعضهم أعراض الصدمات النفسية عند اللاجئين، مثل استعادة المشاهد المؤلمة، والكوابيس، والفزع من الأصوات المفاجئة، وتجنب الحديث عن التجربة، أو الشعور الدائم بأن الخطر ما زال قريبًا. كما قد يؤدي تأثير الحروب على الصحة النفسية إلى الاكتئاب، وفقدان الأمل، وصعوبة التركيز، والعزلة الاجتماعية.

صندوق الصحة في العراق
كيف تؤثر الحياة في المخيمات على الصحة النفسية للأسر؟

كيف تؤثر الحياة في المخيمات على الصحة النفسية للأسر؟

لا توفر المخيمات دائمًا الظروف اللازمة للتعافي. فالازدحام، وغياب الخصوصية، والضوضاء، والحرارة أو البرد، ومحدودية المياه والخدمات، والاعتماد على المساعدات، كلها تزيد التحديات النفسية في المخيمات. وقد يشعر الوالدان بالعجز عندما لا يستطيعان توفير احتياجات أطفالهما أو حمايتهم كما اعتادا.

كما يفاقم طول الانتظار وعدم اليقين الضغط النفسي؛ فالعائلة لا تعرف متى ستعود، أو أين ستعيش، أو كيف ستستعيد دخلها وتعليم أطفالها. وقد تنشأ توترات داخل الأسرة نتيجة الضغط المتراكم، بينما تزيد العزلة والوصمة وصعوبة الوصول إلى الخدمات من تدهور الصحة النفسية في مناطق النزوح.


لماذا يكون الأطفال أكثر عرضة للتأثر النفسي أثناء النزوح؟

يحتاج الطفل إلى روتين ثابت وشعور متواصل بالأمان كي ينمو بصورة سليمة. وعندما يفقد منزله ومدرسته وأصدقاءه، أو يشاهد العنف والدمار، قد يعجز عن فهم ما يحدث أو التعبير عنه بالكلمات. لذلك يرتبط موضوع الأطفال النازحون والصحة النفسية بعلامات قد تختلف عن تلك التي تظهر لدى البالغين.

قد يعود الطفل إلى سلوكيات أصغر من عمره، مثل التبول اللاإرادي أو التعلق الشديد بوالديه، وقد يعاني الكوابيس، أو الخوف من الانفصال، أو الصمت والانسحاب، أو سرعة الغضب والعدوانية، أو تراجع التحصيل الدراسي. وتؤكد اليونيسف أهمية المساحات الآمنة، واللعب، والتعليم، ودعم مقدمي الرعاية في مساعدة الأطفال المتأثرين بالأزمات على استعادة الإحساس بالأمان.

مستشفى ميداني في لبنان

كيف يمكن أن تؤثر الأزمات طويلة الأمد على الصحة النفسية للنازحين؟

عندما تمتد الأزمة لأشهر أو سنوات، يتحول الضغط المؤقت إلى عبء يومي متواصل. وقد يستنزف الانتظار الطويل قدرة الإنسان على التكيف، خاصة مع البطالة، والفقر، وتراجع الخدمات الصحية، وضياع الفرص التعليمية، والخوف من المستقبل. وهنا تصبح الصحة النفسية للاجئين معرضة لمزيد من التدهور حتى بعد الوصول إلى مكان أكثر أمانًا.

وقد تتأثر العلاقات الأسرية، والثقة بالآخرين، والقدرة على العمل والتعلم واتخاذ القرارات. كما يمكن أن تنتقل آثار الأزمة بين الأجيال حين يكبر الأطفال وسط الخوف والحرمان دون دعم مناسب. ومع ذلك، يمتلك كثير من اللاجئين والنازحين قدرة كبيرة على الصمود، وتزداد هذه القدرة عندما يجدون الأمان، والاستقرار، وروابط اجتماعية داعمة، وفرصًا لاستعادة السيطرة على حياتهم.


ما العلامات التي قد تشير إلى حاجة النازحين إلى الدعم النفسي؟

ليست كل استجابة مؤلمة اضطرابًا نفسيًا، لكن بعض العلامات تستدعي الانتباه، خاصة إذا استمرت أو أعاقت الحياة اليومية، ومنها:

  • اضطراب النوم أو الكوابيس المتكررة.
  • الحزن الشديد أو الانسحاب المستمر.
  • نوبات الخوف والهلع أو التوتر المفرط.
  • فقدان الشهية أو الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
  • صعوبة رعاية الأطفال أو أداء المهام اليومية.
  • سلوكيات عدوانية أو تغيرات حادة لدى الأطفال.
  • الحديث عن فقدان الأمل أو إيذاء النفس.

عند ظهور مؤشرات خطرة، ينبغي إحالة الشخص سريعًا إلى مختص أو جهة صحية مؤهلة. ويجب تقديم الدعم النفسي للنازحين باحترام وسرية، من دون وصم أو إجبار على سرد التجارب المؤلمة.

حاضنات الخدج في السودان
لماذا يعد الدعم النفسي جزءًا مهمًا من الاستجابة الإنسانية؟

لماذا يعد الدعم النفسي جزءًا مهمًا من الاستجابة الإنسانية؟

لا تكتمل الاستجابة بتوفير الطعام والماء والمأوى وحدها. يساعد الدعم النفسي في الأزمات الإنسانية الأفراد على استعادة الشعور بالأمان والقدرة على التكيف، كما يدعم تماسك الأسرة ويحمي الأطفال ويعزز المشاركة المجتمعية. وقد يبدأ هذا الدعم بالإنصات، والمعلومات الواضحة، ولمّ شمل الأسر، والأنشطة الآمنة للأطفال، ثم يمتد إلى الاستشارات والعلاج المتخصص عند الحاجة.

وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أهمية إدماج الدعم النفسي والاجتماعي في خدمات الحماية والصحة والتعليم، وبناء قدرات العاملين المحليين. فالاستجابة المبكرة قد تمنع تفاقم المعاناة، وتساعد الناس على استعادة روتينهم وكرامتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار.


كيف حث الإسلام على التخفيف عن المهمومين ومواساة أصحاب الشدائد؟

جعل الإسلام مواساة المكروب وتخفيف معاناة الإنسان من أبواب الإحسان العظيمة. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال النبي ﷺ: «مَن نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة» رواه مسلم.

ولا تقتصر المواساة على الكلمات، بل تشمل الإصغاء الرحيم، وحماية الضعفاء، وعلاج المرضى، وتأمين الاحتياجات الأساسية، وإعادة الشعور بالأمان لمن فقده. فالكلمة الطيبة، والزيارة، والدعم المادي، وإتاحة العلاج النفسي، كلها صور من تفريج الكرب وصون الكرامة.


دعم يمنح النازحين مساحة للتعافي

يحتاج اللاجئون والنازحون إلى أكثر من النجاة؛ يحتاجون إلى فرصة لاستعادة حياتهم وشعورهم بالأمان. ومن خلال برامج الحماية، والرعاية الصحية، والتعليم، والمساحات الآمنة، والدعم النفسي والاجتماعي، تسهم هيومان أبيل في مساندة الأسر المتضررة ومساعدتها على تجاوز آثار الأزمات.

ادعم مشروع تغذية الأطفال النازحين في الصومال

تبرع الآن
عودة للأخبار