31 يوليو 2025
بالطموح تولد الأحلام، وبالعلم تكتسب ملامحها وتتحول إلى واقع. غير أن ملايين الأطفال يقفون اليوم خارج أبواب المدارس، يحملون أمنيات كبيرة من دون أن يجدوا كتابًا يفتح أمامهم الطريق إليها.
وفق أحدث تقديرات اليونسكو، ارتفع عدد الأطفال واليافعين المحرومين من الدراسة إلى نحو 273 مليونًا عام 2026؛ أي ما يعادل طفلًا واحدًا من كل ستة أطفال في سن الدراسة. وفي مناطق النزاع، يصبح الوصول إلى الفصل الدراسي أكثر صعوبة، بعدما تُدمّر المدارس أو تُغلق، وتنزح الأسر، وتتراجع الخدمات الأساسية والموارد المخصصة للتعليم.
إن حرمان الطفل من التعليم ليس غيابًا مؤقتًا عن الفصل، وإنما خسارة قد تطال ثقته بنفسه، وسلامته، وفرص عمله، وقدرة مجتمعه على التعافي. وكل عام يمر بعيدًا عن المدرسة يجعل العودة إليها أصعب، ويوسع الفجوة بين الطفل وأقرانه.
ما الفرق بين مستقبل الطفل المتعلم والمحروم من الدراسة؟
يتعلم الطفل في المدرسة أكثر من الحروف والأرقام. فهو يكتسب القدرة على السؤال والتحليل، ويمارس الحوار، ويتعرف إلى حقوقه، ويتعلم اتخاذ قرارات أكثر وعيًا. كما تمنحه المعرفة أدوات تساعده على حماية صحته، وإدارة موارده، وفهم ما يدور حوله.
أما الطفل المحروم من الدراسة، فقد يجد أبواب العمل والتدريب مغلقة أمامه، ويصبح أكثر هشاشة أمام الاستغلال والمعلومات المضللة. وبحسب البنك الدولي، ترتبط كل سنة إضافية من التعليم بزيادة تبلغ نحو 9% في متوسط الأجر بالساعة عالميًا؛ ما يكشف أن أهمية التعليم تمتد إلى الاستقلال الاقتصادي والخروج من الفقر.
وتتحمل المجتمعات كذلك ثمنًا باهظًا؛ إذ يؤدي انخفاض مستويات التعليم إلى نقص المهارات، وضعف الإنتاج، واتساع البطالة والفقر. فكل طفل يُستبعد من المدرسة هو طاقة بشرية قد لا تحصل على الفرصة اللازمة لتشارك في تنمية مجتمعها.
لماذا يفقد الأطفال حقهم في التعليم أثناء الحروب والأزمات؟
تتعرض العملية التعليمية خلال الحروب لضغوط متزامنة؛ فقد تتضرر المباني المدرسية أو تُستخدم لأغراض أخرى، ويُقتل المعلمون أو ينزحون، وتفقد الأسر مصدر دخلها، كما تصبح الطرق المؤدية إلى المدارس غير آمنة.
وقدّرت اليونيسف أن أكثر من 52 مليون طفل في الدول المتأثرة بالنزاعات كانوا خارج المدرسة عام 2024. ويواجه الأطفال في مناطق النزاع أخطارًا إضافية بمجرد الابتعاد عن بيئة التعلم، منها الإساءة والاستغلال والتجنيد من الجماعات المسلحة.
وتشمل أبرز أسباب فقدان حق التعليم:
لهذا يُعد التعليم في الأزمات تدخلًا إنسانيًا أساسيًا؛ فهو يحافظ على التعلم، ويوفر مكانًا آمنًا للطفل، ويساعد الجهات المختصة على متابعة احتياجاته وحمايته.
كيف يؤثر ترميم المدارس على المجتمعات؟
قد تعيد المدرسة المرممة نبض الحياة إلى قرية أو حي كامل. فإصلاح الفصول ودورات المياه وشبكات المياه، وتوفير الأثاث والوسائل التعليمية، يسمح بعودة مئات الأطفال إلى بيئة آمنة وملائمة للتعلم.
ويمتد أثر ترميم المدارس إلى جوانب عديدة؛ إذ يقلل المسافة التي يقطعها الأطفال للوصول إلى التعليم، ويشجع الأسر على إعادة أبنائها، ويوفر للمعلمين مكانًا مناسبًا للعمل. كما يمكن أن تتحول المدرسة إلى مساحة للأنشطة المجتمعية والتوعية الصحية والدعم النفسي.
وفي المناطق الخارجة من النزاع، تحمل إعادة فتح مدرسة رسالة قوية مفادها أن الحياة قادرة على الاستمرار، وأن المجتمع بدأ يستعيد خدماته وفرصه. ويصبح المبنى المدرسي مركزًا للتعافي، لا مجموعة من الجدران والمقاعد فقط.
كيف رفع الإسلام من قيمة العلم والتعليم؟
رفع الإسلام منزلة العلم، وجعل طلب المعرفة سبيلًا إلى الوعي والإيمان وعمارة الأرض. وكان أول ما نزل من القرآن أمرًا بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. كما أمر الله نبيه ﷺ بطلب الزيادة من العلم، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. وتظهر في هذه الآيات مكانة المعرفة وقدرتها على الارتقاء بالإنسان؛ لذلك فإن مساندة تعليم الأطفال تجمع بين حفظ حق إنساني أصيل والمساهمة في بناء جيل قادر على النفع والإصلاح.
لماذا يُعتبر تعليم الطفل صدقة جارية؟
قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم).
يمتد أثر العلم سنوات طويلة؛ فالطفل الذي يتعلم القراءة يستطيع مواصلة دراسته، واكتساب مهنة، وتعليم أبنائه، وربما نقل معرفته إلى آخرين. ومن هنا يُرجى لمن يسهم في بناء مدرسة أو تجهيزها، أو توفير وسيلة تعليم دائمة، أو نشر علم نافع، أجر ممتد ما دام النفع قائمًا.
كيف يمكننا حماية حق الأطفال في التعليم؟
تحتاج مواجهة الحرمان إلى تعاون الأسر والمجتمعات والمؤسسات الإنسانية والجهات المسؤولة. ويمكن إحداث فرق من خلال:
تعمل هيومان أبيل على مساندة الأطفال والمجتمعات المتضررة من خلال مشروعات التعليم التي تشمل إعادة تأهيل المدارس وتوفير المستلزمات الدراسية ودعم الوصول إلى بيئات تعليمية أكثر أمنًا.
فقلم يصل إلى يد طفل قد يكتب به بداية مختلفة، وفصل يُعاد ترميمه قد يستقبل جيلًا كاملًا، ومقعد دراسي يستعيده طفل قد يحميه من سنوات من الاستغلال والفقر. ساهم في دعم التعليم، وامنح طفلًا المعرفة التي يحتاج إليها ليحمي حقه، ويحقق طموحه، ويبني مستقبلًا أكثر أمانًا.