15 يناير 2026
يمرّ مريض السرطان في رمضان بتحدٍّ خاص يجمع بين الحرص الإيماني على الصيام، والحاجة الطبية إلى علاج مُرهِق قد لا يحتمل معه الجسد الامتناع عن الطعام والشراب. ومع جلسات العلاج الكيماوي تحديدًا، تتكرر الأسئلة: هل يجوز الإفطار؟ هل عليّ قضاء أم فدية؟ وهل ينقص الأجر؟
لذا نقدّم هنا إجابة واضحة ومطمئنة، تجمع الحكم الشرعي مع الرأي الطبي، بلغة رحيمة تراعي حال المريض وتؤكّد سعة الشريعة.
هل يجوز الإفطار بسبب المرض في رمضان؟
الأصل في الصيام الوجوب، لكن المرض من الأعذار الشرعية المبيحة للفطر بنصّ القرآن الكريم: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
والقاعدة الفقهية المستقرة أن المشقّة تجلب التيسير، وأن حفظ النفس مقصدٌ عظيم من مقاصد الشريعة. فإذا كان الصيام يُلحق بالمريض ضررًا محققًا أو غالب الظن، جاز له الإفطار بلا إثم.
ما هو العلاج الكيماوي؟ ولماذا يؤثر على الصيام؟
العلاج الكيماوي هو أدوية قوية تُستخدم للقضاء على الخلايا السرطانية أو الحدّ من انتشارها. ورغم ضرورته، إلا أن له آثارًا جانبية عنيفة شائعة، منها:
طبيًا، يحتاج مريض الكيماوي إلى سوائل منتظمة، ووجبات متقاربة، وأحيانًا أدوية فموية خلال اليوم. والصيام قد يزيد حدّة الأعراض أو يُعرّض المريض لمضاعفات، لذلك يوصي الأطباء غالبًا بعدم الصيام أثناء الجلسات.
حكم الإفطار أثناء جلسات الكيماوي
إذا قرّر الطبيب الثقة أن الصيام يضرّ بالمريض أثناء جلسات الكيماوي، فإن الإفطار جائز بل قد يكون واجبًا؛ لأن تعريض النفس للضرر غير جائز. وقد قال النبي ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار» (حديث صحيح).
فلا حرج على مريض السرطان أن يُفطر أيام العلاج، بل هو مأجور على امتثاله لما فيه حفظ بدنه.
هل يجب القضاء أم الفدية؟
تختلف الإجابة بحسب حالة المريض وتوقّع الشفاء:
1. إذا كان المرض مؤقتًا، ويُرجى الشفاء أو التحسّن بعد انتهاء العلاج:
- يفطر المريض ثم يقضي الأيام بعد القدرة.
2. إذا كان المرض مزمنًا أو العلاج ممتدًا بلا قدرة متوقعة على الصيام:
- لا قضاء عليه، ويخرج فدية عن كل يوم: إطعام مسكين.
قال تعالى:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184].
هل يجوز الصيام بين جلسات الكيماوي؟
الأصل أن القدرة مناط التكليف.
ولا حرج شرعًا أن يصوم يومًا ويفطر يومًا بحسب حالته الصحية، فالشريعة تُراعي التقلّبات الطبية.
هل الإفطار أثناء العلاج يُنقص الأجر؟
قطعًا لا. بل قد يكتب الله للمريض أجر الصيام كاملًا بنيّته، فقد قال النبي ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا».
فالنية الصادقة، والصبر على المرض، والرضا بقضاء الله، كلّها عبادات عظيمة، قد يفوق أجرها أجر الصيام نفسه.
أسئلة شائعة
هل يجوز الإفطار حتى لو لم تكن هناك أعراض؟
نعم، إذا قرّر الطبيب أن الصيام قد يسبّب ضررًا حتى دون أعراض فورية، جاز الإفطار؛ لأن العبرة بالتوقّع الطبي المعتبر لا بالألم فقط.
هل الأدوية الوريدية تُفطر؟
نعم، الأدوية الوريدية المغذّية تُفطر؛ لأنها تقوم مقام الطعام والشراب. أمّا غير المغذّية فلا تفطر، لكن مريض الكيماوي غالبًا يُرخَّص له الفطر.
هل يمكن إخراج الفدية نقدًا؟
الأصل في الفدية إطعام مسكين، ويجوز عند كثير من العلماء إخراج قيمتها نقدًا إذا كان أنفع للفقير، خاصة عبر الجهات الموثوقة.
هل يجوز الصيام يومًا والإفطار يومًا؟
نعم، إذا اقتضت الحالة الصحية ذلك، ولا حرج شرعًا في التفريق بين الأيام بحسب القدرة.
كلمة أخيرة لمريض السرطان في رمضان
رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام والشراب فقط، بل شهر الرحمة والقبول. وإن عجز الجسد، فباب الأجر لا يُغلق:
وفي مؤسسات العمل الإنساني، نرى كل يوم كيف يتحوّل الألم إلى أجر، وكيف تكون الرحمة بالذات عبادة لا تقل قدرًا عن غيرها. فاطمئنّ: دين الله يُسر، وربّك أرحم بك من نفسك. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].