09 يناير 2026
بينما يستقبل ملايين المسلمين حول العالم شهر رمضان في بيوتٍ دافئة ومطابخ عامرة بما لذّ وطاب من خيرات الله، يمرّ هذا الشهر الكريم على ملايين اللاجئين في رمضان وهم داخل خيام مؤقتة بلا سقفٍ صلبٍ يحميهم، ولا حوائ سميكة تحفظُ صحتهم وكرامتهم، أو يتكدّسون في ملاجئ مكتظة، بلا مأوى ثابت، ولا مطبخ، ولا أدنى إحساس بالأمان. هنا، لا يكون الصيام عبادةً عادية، بل اختبارًا يوميًا للصبر والاحتمال، وسؤالًا يتكرر مع كل أذان مغرب: كيف نفطرُ وماذا سنُفطرُ ونحنُ بلا بيتٍ ولا مورِد؟
وفق تقديرات الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 110 مليون إنسان حالة نزوح قسري حول العالم، نسبة كبيرة منهم في مخيمات لجوء تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ومع حلول رمضان، تتضاعف التحديات، خاصةً حين يختلطُ ذلك مع معاناة اللاجئين في الشتاء أو مع شحّ الغذاء والمياه.
قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]
آية تضع إطعام المحتاج كأولوية وعبادة ذات أجرٍ عظيم، وتُعيد تعريف معنى المائدة في رمضان.
كيف يقضي اللاجئون أيام رمضان؟ تحديات يومية خلف جدران الخيام
في مخيمات اللجوء، يبدأ اليوم قبل الفجر بمحاولات تأمين الماء للشرب، ثم التفكير في كيفية تدبير وجبة واحدة تكفي الأسرة حتى المساء. لا ثلاجات تحفظ الطعام، ولا كهرباء مستقرة، ولا أدوات طهي مناسبة. وغالبًا ما تُستخدم مواقد بدائية أو نيران مكشوفة بين الخيام يُستخدمُ فيها مواد غير مخصصة للحرق مثل البلاستيك في حالة شُحّ الحطب ووقود الإشعال، مما يتسببُ في مخاطر صحية وأمنية دائمة.
تشير تقارير إنسانية إلى أن أكثر من 60% من الأسر اللاجئة تعاني انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وهذا يعني أن رمضان لا يأتي بزيادة في الطعام، بل بتقليص الوجبات، وتأجيل الاحتياجات، واعتماد شبه كامل على المساعدات. وكثير من الأمهات يُفضّلن أبناءهنّ على أنفسهنّ، فيكتفين بالقليل أو بلا شيء، ليضمنّ أن يأكل الأطفال ولا يبيتون ليلتهم جوعى.
رمضان في المخيمات لا يعرف العزائم ولا الزيارات ولا الموائد الممتدة العامرة، لكنه يعرف الانتظار الطويل وتأجيل الاحتياجات إلى أجل غير مسمى، والقلق من نفاد الطعام، ومحاولة الحفاظ على شعائر الشهر وروحه الإيمانية وسط واقع قاسٍ ومؤلم.
كيف يكون الإفطار بلا مأوى أو مطبخ؟
حين يحين أذان المغرب في المخيم، لا تجتمع الأسرة حول مائدة، بل حول ما تيسّر. الإفطار قد يكون:
في كثير من المخيمات، تعتمد الأسر كليًا على هذه الوجبات. أي تأخير في التوزيع يعني ساعات إضافية من الجوع، وأحيانًا نومًا على معدةٍ فارغة. ورغم بساطة الطعام، يبقى الإفطار لحظة فارقة في اليوم؛ ولحظة تُعيد للإنسان إحساسه بأنه ما زال مرئيًا، وأن هناك من يتذكّره.
قال رسول الله ﷺ:
«مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (رواه الترمذي)
حديث يفتح بابًا واسعًا للأجر، ويجعل من كل وجبة مقدَّمة حياةً تُنقذ.
الأثر النفسي للصيام في الغربة والنزوح
لا تتوقف معاناة اللاجئين في رمضان عند نقص الطعام فقط، بل تمتد إلى العبء النفسي الثقيل. الصيام في الغربة والشتات توقظ الحنين: حنين للبيت، ولمائدة العائلة، ولتفاصيل صغيرة كانت يومًا عادية. كثيرون فقدوا أحبّتهم، أو نزحوا مرات متعددة، فيأتي رمضان ليُذكّرهم بكل ما فقدوه.
تشير دراسات نفسية إلى أن معدلات القلق والاكتئاب بين اللاجئين أعلى بعدة أضعاف مقارنةً بغيرهم من الآمنين في بيوتهم. ومع ذلك، يتمسكون بالصيام كمساحة إيمانية تمنحهم معنى وثباتًا. فالصيام هنا ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل مقاومة صامتة لليأس والقنوط، وتشبثًا بالأمل. وتمسكًا بقوله تعالى: "لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ"
إفطار صائم للاجئين: كيف تصنع فارقًا؟
قد تبدو وجبة الإفطار أمرًا بسيطًا، لكنها في المخيمات تعني الكثير:
من خلال التبرع للاجئين، يمكن لوجبة واحدة أن تصل إلى أسرة كاملة. كما أن برامج إفطار الصائم لا تقتصر على الوجبات فقط، بل تشمل:
هذه التدخلات لا تُشبع الجوع فحسب، بل تحفظ كرامة الإنسان، وتُعيد لرمضان شيئًا من معناه الحقيقي.
قال النبي ﷺ:
«أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس» (حديث حسن)
والنفع قد يكون في صورة وجبة، أو تمرات، أو كأس ماء يكسرُ الظمأ عند المغرب.
رمضان مسؤوليتنا المشتركة
رمضان شهر الرحمة، لكنه أيضًا شهر المسؤولية. وبينما ننعم بموائدنا، هناك من يفطر بلا مأوى ولا مطبخ. التبرع للاجئين ليس إحسانًا زائدًا، بل واجب إنساني وإيماني.
في هيومان أبيل، نعمل على إيصال إفطار الصائم والطرود الغذائية إلى المخيمات الأشد احتياجًا، لنضمن ألا يمرّ أذان المغرب على أسرةٍ جائعة دون استجابة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]
في رمضان هذا العام، كن سببًا في إفطار صائم، ودفء قلبٍ أنهكته ظروف الغربة والنزوح والمعاناة. لأن وجبة واحدة… قد تعني حياة كاملة.