فضل صيام التطوع: ما هو، أنواعه، ومبطلاته

فضل صيام التطوع

في رحلة الإيمان، لا تتوقف العبادة عند حدود الفرائض، بل تمتدّ إلى مساحات أوسع من القرب، حيث يتقدّم العبد خطوة إضافية نحو الله حبًّا وشوقًا، لا إلزامًا ووجوبًا. ومن أوسع هذه المساحات وأقربها إلى القلب صيام التطوع؛ عبادة خفيّة، لا يطّلع على صدقها إلا الله.


ما هو صيام التطوع؟

صيام التطوع – ويُسمّى أيضًا صيام النافلة – هو كل صيام يؤديه المسلم تقرّبًا إلى الله تعالى دون أن يكون واجبًا عليه شرعًا، أي غير صيام رمضان، أو القضاء، أو النذر، أو الكفارات. وهو عبادة اختيارية، يُثاب فاعلها ولا يُؤاخذ تاركها.

وقد بيّن النبي ﷺ مكانة النوافل عمومًا، ومنها الصيام، فقال في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه» (رواه البخاري).

فصيام التطوع هو طريق إلى محبة الله، ووسيلة لرفع الدرجات، وجبر النقص الذي قد يقع في الفرائض، وباب مفتوح لكل من أراد أن يزداد قربًا.

فَطِّر الصائمين في العراق
فضل صيام التطوع

فضل صيام التطوع

يتجلّى فضل صيام التطوع في كونه عبادة تجمع بين الإخلاص الكامل، ومجاهدة النفس، وعلوّ المنزلة عند الله تعالى. فالصائم متطوّعًا لا يصوم لأن عليه واجبًا، بل لأنه اختار القُرب، وقدّم محبة الله على شهوات النفس، ولذلك كان أجرهُ عظيمًا ومضاعفًا.

وقد خصّ الله الصيام بمكانة فريدة بين العبادات، فقال في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه). ومن فضل صيام التطوع أنه:

  • يزكّي النفس ويزرعُ التقوى، فالصيام يدرّب القلب على مراقبة الله في السرّ والعلن.
  • يجبر النقص في الفرائض، كما قال النبي ﷺ:
    «إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله… ثم تكون النوافل» (رواه الترمذي).

  • سبب لمغفرة الذنوب وحفظ النفس، إذ قال ﷺ: «الصيام جُنّة» (رواه البخاري ومسلم)، أي وقاية للعبد من المعاصي ومن النار.


هل يجوز صيام التطوع كل يوم؟

يجوز للمسلم أن يُكثر من صيام التطوع، بل إن كثرة الصيام من الأعمال الصالحة العظيمة، ما دام الصائم لا يُلحِق بنفسه مشقّة تُضعفه عن أداء الفرائض أو تُفوّت عليه حقوقًا واجبة. فالأصل في صيام النافلة الإباحة والاستحباب، مع مراعاة الاعتدال الذي هو سِمة الشريعة الإسلامية.

وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا التوازن حين قال لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، لما أخبره بكثرة صيامه:
«صُم وأفطِر، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا» (رواه البخاري). وفي هذا توجيه نبوي واضح إلى أن العبادة لا تكون على حساب الجسد أو الحقوق الأخرى. كما نهى النبي ﷺ عن صيام الدهر – أي صيام كل الأيام دون إفطار – فقال: «لا صام من صام الأبد» (رواه البخاري ومسلم)، وذلك لما فيه من مشقة دائمة ومخالفة لهديه ﷺ، الذي كان أعبد الناس وأحكمهم في تحقيق التوازن.

وأفضل ما يُقتدى به في هذا الباب هو صيام نبي الله داود عليه السلام، حيث قال النبي ﷺ: «أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (متفق عليه).

وزع الطرود الرمضانية في الضفة

أحاديث في فضل صيام التطوع

وردت أحاديث صحيحة كثيرة في فضل صيام التطوع، تؤكد مكانته العالية عند الله، وتُبرز أثره في تزكية النفس، ورفعة الدرجات، والوقاية من النار. ومن أعظم ما ورد في ذلك قول النبي ﷺ: «الصيام جُنّة» (رواه البخاري ومسلم)
، أي وقاية وحصن يحمي العبد من المعاصي في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة.

كما قال ﷺ: «إن في الجنة بابًا يُقال له الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم» (رواه البخاري ومسلم).
وهذا الباب خُصّ به الصائمون تكريمًا لهم، سواء في صيام الفرض أو التطوع، مما يدل على عظيم منزلتهم عند الله.

ما هو الفرق بين صيام التطوع وصيام الفرض؟

يختلف صيام التطوع عن صيام الفرض من حيث الحكم الشرعي، والالتزام، وبعض الأحكام المترتبة عليه:

أولًا، من حيث الحكم:
صيام الفرض – كصيام رمضان، أو القضاء، أو النذر، أو الكفارات – واجب على المسلم، ويأثم بتركه من غير عذر شرعي. أما صيام التطوع فهو مستحب، يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، وهو باب مفتوح للزيادة في الأجر والقرب.

ثانيًا، من حيث النية والالتزام:
يشترط في صيام الفرض تبييت النية من الليل، بخلاف صيام التطوع؛ إذ يجوز للمسلم أن ينوي الصيام أثناء النهار ما لم يكن قد أتى بمفطر، كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: «دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذن صائم» (رواه مسلم).

ثالثًا، من حيث قطع الصيام:
لا يجوز قطع صيام الفرض دون عذر شرعي، بينما يجوز في صيام التطوع أن يُفطر الصائم إذا عرض له سبب، دون إثم عليه، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (رواه أحمد وصححه أهل العلم).

وأخيرًا، من حيث المقصد الإيماني:
صيام الفرض يقوم على الامتثال للأمر الإلهي، بينما يقوم صيام التطوع على المحبة والاختيار، وهو ما يمنحه أثرًا خاصًا في تزكية النفس وتعميق التقوى.


أيام ومواعيد صيام النافلة (أنواع صيام التطوع)

جعل الله تعالى صيام النافلة واسعًا في أيامه ومواعيده، رحمةً بالعباد وتيسيرًا عليهم، ليختار كلّ مسلم ما يناسب حاله وقدرته، دون حرج أو مشقة. ومع هذا الاتساع، فقد خصّ الشرع أيّامًا معيّنة بفضلٍ أعظم، حثّ النبي ﷺ على صيامها وداوم عليها في هديه العملي.

ومن أبرز أيام صيام التطوع التي ثبت فضلها بالسنة:

أولًا: صيام الاثنين والخميس
وهما من أكثر أيام النافلة التي كان النبي ﷺ يحرص عليها، لما فيهما من رفع الأعمال إلى الله، كما سيأتي تفصيل فضلهما لاحقًا.

ثانيًا: صيام ثلاثة أيام من كل شهر
وهي المعروفة بـ الأيام البيض (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمري)، وقد قال النبي ﷺ:
«صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كله»
(رواه البخاري ومسلم)، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيكون صيام ثلاثة أيام كصيام الشهر كاملًا.

ثالثًا: صيام ستة أيام من شوال
وقد قال النبي ﷺ:
«من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر»
(رواه مسلم)، وهو فضل عظيم يدل على مكانة هذه الأيام بعد إتمام فريضة رمضان.

رابعًا: صيام يوم عرفة لغير الحاج
قال النبي ﷺ: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (رواه مسلم).

خامسًا: صيام يوم عاشوراء ويُستحب صيام يوم قبله أو بعده
وقد قال ﷺ: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله»
(رواه مسلم).

فَطِّر الصائمين في باكستان
فضل صيام التطوع الاثنين والخميس

فضل صيام التطوع الاثنين والخميس

قال النبي ﷺ في حديث عن صيام الاثنين والخميس: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس، فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم» (رواه الترمذي وصححه الألباني). وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن هذين اليومين زمانان فاضلان تُرفع فيهما أعمال العباد إلى الله، فكان الصيام فيهما من أعظم القُرَب.

ويزداد فضل صيام يوم الاثنين خاصةً، لأنه اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ، واليوم الذي بُعث فيه، كما قال ﷺ: «ذاك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بُعثتُ أو أُنزِل عليّ فيه» (رواه مسلم). فاجتمع فيه فضل الزمان وفضل الحدث، مما جعل صيامه سنّة مؤكدة عن النبي ﷺ.


فضل صيام يوم في سبيل الله

من أعظم النصوص الدالّة على فضل صيام يوم في سبيل الله ما ورد عن النبي ﷺ في قوله:
«من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا»
(متفق عليه).

وهذا الحديث يفتح بابًا واسعًا لفهم عِظم أجر الصيام، حتى وإن كان يومًا واحدًا فقط، إذا كان خالصًا لله، مُبتغىً به وجهه الكريم. فسبعون خريفًا – أي سبعون سنة – مسافة زمنية هائلة، يبيّن بها النبي ﷺ مدى البعد عن النار الذي يناله الصائم.

فَطِّر الصائمين في السنغال

أيهما أفضل: صيام التطوع أم قراءة القرآن؟

كلٌّ من صيام التطوع وقراءة القرآن من أجلّ العبادات وأعظمها أجرًا، ولا تعارض بينهما، بل هما عبادتان متكاملتان. فالصيام يُزكّي النفس، ويكسر الشهوات، ويُرقّق القلب، بينما قراءة القرآن تُريحُ النفس، وتزيد العلم والهداية، وتُحيي القلب بكلام الله.

وقد قرّر العلماء قاعدة جامعة في هذا الباب، وهي: أفضل الأعمال ما كان أنفع للقلب وأحضر له.
فقد يكون صيام التطوع أفضل في حقّ من يجد فيه خشوعًا، وضبطًا للنفس، وانكسارًا بين يدي الله. وقد تكون قراءة القرآن أفضل لمن يتدبّر الآيات، ويتأثر بها، ويزداد بها إيمانًا ويقينًا.


مبطلات صيام التطوع

تتشابه مبطلات صيام التطوع مع مبطلات صيام الفرض من حيث الأصل؛ لأن حقيقة الصيام واحدة، وهي الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إلا أن صيام التطوع يتميّز ببعض التيسير في الأحكام المتعلقة به.

ومن مبطلات صيام النافلة المتفق عليها:

أولًا: الأكل أو الشرب عمدًا
فمن أكل أو شرب متعمّدًا أثناء صيام التطوع بطل صومه، شأنه شأن صيام الفرض. أما من أكل أو شرب ناسيًا، فصيامه صحيح، لقول النبي ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (متفق عليه).

ثانيًا: الجماع
وهو من أعظم المفطرات، ويبطل به صيام التطوع باتفاق العلماء، وإن كان لا تجب فيه الكفارة المغلّظة كما في صيام رمضان.

ثالثًا: القيء المتعمّد
فمن تعمّد القيء فسد صومه، أما من غلبه القيء فلا شيء عليه، كما جاء في الحديث: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمدًا فليقض» (رواه الترمذي وصححه).

رابعًا: الحيض والنفاس
فإذا طرأ الحيض أو النفاس على المرأة بطل صيامها، سواء كان فرضًا أو تطوعًا، ولا يصح الصيام مع وجودهما.
ويتميّز صيام التطوع عن الفرض بأنه يجوز قطعه بلا إثم إذا عرضت حاجة أو مصلحة، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (رواه أحمد). ومع ذلك، يُستحب للمسلم إذا شرع في عبادة نافلة أن يُتمّها ما استطاع، تعظيمًا للطاعة، وحرصًا على كمال الأجر.

وزع الطرود الرمضانية للاجئي الروهينجا

تبرع الآن
عودة للأخبار