03 يناير 2026
في شهر رمضان، تتجه القلوب إلى الله في أوقاتٍ مخصوصة، يكون فيها الدعاء أصدق، والرجاء أعظم، والإجابة أقرب. ومن أكثر هذه الأوقات التي يحرص عليها الصائمون اللحظات التي تسبق أذان المغرب؛ حيث يبلغ الجوع مداه، ويجتمع الصبر مع الانكسار لله وحده. ولكن هل دعاء الصائم قبل الإفطار مستجاب؟ وهل لهذا الوقت فضل خاص في إجابة الدعاء؟
تتكرر هذه التساؤلات كل عام فما هو دعاء الصائم قبل الإفطار؟ وهل يختلف عن دعاء قبل الإفطار في رمضان، وما هو أفضل دعاء قبل أذان المغرب؟ خاصةً مع ما ورد في السنة من تعظيم شأن دعاء الصائم. ولذلك نوضح معكم الحكم الشرعي، ونبيّن ما ثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب.
هل دعاء الصائم قبل الإفطار مستجاب؟
نعم، دلّت السنة النبوية الصحيحة على أن دعاء الصائم من الدعاء المستجاب، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث النبي ﷺ:
«ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يُفطر، ودعوة المظلوم» (رواه الترمذي).
وقد بيّن أهل العلم أن المقصود بقول النبي ﷺ حين يفطر يشمل الوقت الذي يسبق الإفطار مباشرة، أي قبل أذان المغرب، لأن الصائم في هذه اللحظات يكون في حال عبودية كاملة، وقد اجتمع له الصيام والدعاء، وهما من أعظم أسباب الإجابة.
ولهذا كان دعاء الصائم قبل الإفطار مستجابًا بإذن الله، سواء كان دعاءً لنفسه، أو لأهله، كما أن دعاء الصائم مستجاب للزواج إذا كان في ذلك خير له، أو لرفع الكرب، أو لتفريج الهم، ما دام الدعاء صادرًا من قلب حاضر، ويقين صادق.
ويؤكد هذا المعنى ما جاء في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في سياق آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
أفضل دعاء قبل الإفطار في رمضان وماذا كان يقول الرسول قبل الإفطار؟
لم يثبت عن النبي ﷺ دعاءٌ مخصوص بلفظٍ معيّن كان يداوم عليه قبل أذان المغرب، إلا أن السنة النبوية الصحيحة أثبتت دعاءه عند الإفطار بعد الأذان، وهو الدعاء الأشهر في هذا الموضع.
فقد كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» (رواه أبو داود).
كما ورد عنه ﷺ أنه قال عند الإفطار: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» (رواه أبو داود، وحسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه).
وهذان الدعاءان هما الثابتان عن رسول الله ﷺ فيما يخص دعاء الصائم عند الإفطار، ويُستحب قولهما بعد أذان المغرب مباشرة. أما دعاء الصائم قبل الإفطار، فلم يُنقل فيه نصٌّ خاص، لكن ثبت فضل هذا الوقت من حيث كونه وقت إجابة، فيدعو الصائم بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، دون تقييد بدعاء محدد.
ولهذا فإن أفضل دعاء قبل أذان المغرب في رمضان هو ما يوافق حال الصائم من صدق الافتقار واليقين، مستحضرًا قول النبي ﷺ:
«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» (رواه الترمذي).
وبذلك يجتمع للصائم فضل الوقت، وفضل العبادة، وفضل الدعاء، فيكون دعاء قبل الإفطار في رمضان من أرجى الدعاء قبولًا بإذن الله.
شروط الدعاء وآدابه في السنة النبوية
مع فضل دعاء الصائم قبل الإفطار، إلا أن السنة النبوية بيّنت أن إجابة الدعاء لا ترتبط بالوقت وحده، بل بحال الداعي وآداب دعائه. فالدعاء عبادة، وله شروط وآداب دلّت عليها الأحاديث الصحيحة.
فمن أعظم هذه الآداب حضور القلب واليقين بالإجابة، فقد قال النبي ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ» (رواه الترمذي).
كما حذّر ﷺ من استعجال الإجابة، فقال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي» (متفق عليه).
ومن أهم أسباب قبول دعاء الصائم وغيره أكل الحلال واجتناب الحرام، وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا للرجل يرفع يديه إلى السماء، ثم قال: «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنى يُستجاب له» >/span>(رواه مسلم).
ولهذا فإن من أراد أن يكون دعاء الصائم مستجابًا، خاصة دعاء الصائم قبل الإفطار، فعليه أن يجمع بين صدق الدعاء، وطهارة المطعم، وحسن الظن بالله، مع الإكثار من الدعاء دون ملل أو يأس، امتثالًا لهدي النبي ﷺ.
ما هو الدعاء الذي كان يكثر منه النبي في العشر الأواخر من رمضان؟
تتميّز العشر الأواخر من رمضان بمزيدٍ من الاجتهاد في العبادة، وقد كان النبي ﷺ يخصّها بمزيد من الدعاء والقيام. وعندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ عن الدعاء الذي تقوله إذا أدركت ليلة القدر، أرشدها إلى دعاءٍ جامع ثابت في السنة.
فقال لها ﷺ: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني»
وهذا الدعاء هو أشهر دعاء ثبت عن النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، ويُستحب الإكثار منه في هذه الأيام المباركة، سواء في قيام الليل أو في السجود أو في دعاء الصائم قبل الإفطار، لما يجمعه من طلب العفو والمغفرة.
ومن هنا، فإن الجمع بين الصيام والدعاء في العشر الأواخر يجعل دعاء الصائم أقرب إلى القبول، ويزيد رجاء العفو والنجاة من النار.
ما هو أكثر دعاء يحبه الله؟
لم يرد في السنة النبوية نصٌّ يحدد دعاءً بعينه على أنه أكثر دعاء يحبه الله بلفظه، لكن ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُكثر من الاستغفار والتوبة، ويحضّ أمته على ذلك، مما يدل على عظم شأنهما عند الله.
قال النبي ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (رواه البخاري).
وبيّن ﷺ فضل أعظم صيغ الاستغفار، فقال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت…» (رواه البخاري).
كما دلّت السنة على محبة الله للدعاء الذي فيه افتقار وتواضع، والدعاء للغير بظهر الغيب، فقد قال النبي ﷺ: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكّل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك: آمين، ولك بمثل» (رواه مسلم).
ولهذا فإن من أراد أن يُكثر من الدعاء الذي يقربه إلى الله، ويكون سببًا في القبول، فليُكثر من الاستغفار، والدعاء الصادق، خاصة في الأوقات المستجابة، ومن أعظمها دعاء الصائم قبل الإفطار ودعاء الصائم عند الإفطار.