06 يوليو 2026
أزمة المياه في السودان، صنبورٌ لا ماء فيه، وأراضً جافة، وحلوقٌ عطشى، وأسرة تضطرُّ إلى الاختيار بين شرب مياه قد تكون ملوثة، أو السير مسافات طويلة في طرقٍ غير ممهدة بحثًا عن مصدر مياه أكثر أمانًا. وحين تقل المياه، تتأثر النظافة والطعام والصحة والتعليم والعمل، فتتحول كل احتياجات الإنسان الأساسية إلى جزء من معركة يومية من أجل البقاء.
وقد أدت سنوات النزاع إلى تضرر شبكات المياه وتعطل محطات الضخ وانقطاع الكهرباء والوقود، كما فاقمت أزمة النزوح في السودان من عوامل الضغط على الموارد المحدودة في المدن ومخيمات النازحين. وفي مطلع عام 2026، قدّرت منظمة الصحة العالمية عدد النازحين بنحو 13.6 مليون شخص، مشيرة إلى أن الازدحام وتعطل خدمات المياه والصرف الصحي ساهما في انتشار وتفشي الأمراض.
لماذا تعد المياه النظيفة من أهم الاحتياجات الأساسية للإنسان؟
الماء أساس الحياة، فلا يستطيع الإنسان الاستغناء عنه في حياته اليومية سواء لأجل الشرب، أو إعداد الطعام أو النظافة أو الزراعة. ولهذا لا يمكن فصل المياه والصحة عن بعضهما؛ فتوفر المياه الآمنة يحمي من أمراض كثيرة، ويساعد الأطفال على النمو، ويمنح الأسر القدرة على الحفاظ على نظافتها وصون كرامتها.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة لا تحمي الصحة فقط، بل تدعم سبل العيش والانتظام في الدراسة وقدرة المجتمعات على الصمود. أما شرب المياه غير الآمنة، فيزيد خطر الإسهال والنزلات المعوية والكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه.
,لاق. ما الأسباب التي جعلت الحصول على المياه النظيفة تحديًا متزايدًا في السودان؟
لم يظهر شح المياه في السودان مع الحرب وحدها؛ فقد كانت قطاعات واسعة من السكان تعاني ضعف البنية التحتية وقلة مصادر المياه المستدامة قبل اندلاع النزاع. حيث تشير بيانات اليونيسف المنشورة قبل أبريل 2023 إلى أن 17.3 مليون شخص كانوا يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، بينما افتقر نحو 24 مليونًا إلى مرافق الصرف الصحي الملائمة.
ثم جاءت الأزمة الحالية لتضاعف التحديات، ومن أبرز أسباب تدهور الأوضاع:
كيف أثرت الأزمات والنزوح على مصادر المياه في السودان؟
أدى النزاع إلى إتلاف أو تعطيل أنظمة كانت تخدم أحياء وقرى بأكملها، كما استقبلت مناطق أخرى أعدادًا من البشر تفوق قدرتها على توفير الخدمات. وتؤكد اليونيسف أن العنف والنزوح قطعا ملايين الأسر عن الخدمات الأساسية، وأن بعض المجتمعات باتت تملك قدرًا ضئيلًا من المياه للشرب والطهي والنظافة.
وفي مخيمات النزوح، قد تتشارك مئات الأسر مصدرًا واحدًا؛ فتطول طوابير الانتظار، ويقل نصيب الفرد من الماء، والذي يصعب تخزينه بطريقة آمنة. وهكذا يرتبط نقص المياه في السودان مباشرة باتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية في السودان، من الصحة والتغذية إلى الحماية والمأوى.
لماذا تزداد معاناة الأسر في الحصول على المياه خلال فصل الصيف؟
مع اشتداد الحرارة، يحتاج الجسم إلى كميات أكبر من الماء، بينما تتراجع بعض المصادر السطحية مع ازدياد تبخر المياه. وقد تتعطل المضخات نتيجة انقطاعات الكهرباء أو نقص الوقود، فتضطر الأسر إلى شراء الماء بأسعار مرتفعة أو الاعتماد على مصادر بعيدة.
والاحتياج إلى مياه الشرب في السودان خلال الصيف ليس فقط لإخماد العطش؛ فالمياه ضرورية لتبريد أجساد الأطفال، وغسل الطعام، وتنظيف الأواني، والاستحمام والوقاية من العدوى. وكلما قلت الكمية المتاحة، اضطرت الأسرة إلى تقليص استخدام الماء في النظافة لصالح الشرب والطهي.
كيف تؤثر المياه غير الآمنة على صحة الأطفال والأسر؟
قد تبدو المياه الملوثة صافية بالعين، لكنها قد تحمل بكتيريا أو طفيليات أو فضلات ملوثة. ويكون الأطفال وكبار السن والمصابون بسوء التغذية أكثر عرضة للجفاف والمضاعفات عند الإصابة بالإسهال أو الكوليرا.
وفي يناير 2026، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن الكوليرا سُجلت في ولايات السودان الثماني عشرة، في ظل تعطل خدمات المياه والصرف الصحي والازدحام في مواقع النزوح. وقد ربطت المنظمة موجات التفشي بتضرر أنظمة المياه ونقص المياه الآمنة والنزوح وضعف الإمدادات الطبية.
ما التحديات التي تواجه النساء والأطفال عند البحث عن المياه يوميًا؟
غالبًا ما تتحمل النساء والفتيات مسؤولية جلب الماء، وقد يقضين ساعات في السير والانتظار وحمل أوعية ثقيلة. وينتج عن ذلك:
كيف يؤثر نقص المياه على التعليم والصحة وسبل العيش؟
حين لا تتوفر المياه، لا يستطيع الطفل الذهاب إلى المدرسة بانتظام، وقد تتوقف الدراسة بسبب غياب دورات المياه أو مرافق غسل اليدين. أما الأسرة الزراعية، فتفقد المحاصيل أو الماشية، ويضعف مصدر دخلها وغذائها.
كما تستنزف تكلفة شراء الماء دخل الأسرة المحدود، فتقل قدرتها على شراء الغذاء والدواء. ولهذا فإن معالجة أزمة الماء لا تعني توفير ماء الشرب فقط، بل حماية التعليم والصحة وتحسين الأمن الغذائي واستعادة سبل العيش.
ما دور الآبار ومشاريع المياه في تحسين حياة المجتمعات السودانية؟
تساعد مشاريع المياه في السودان على الانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى حلول أكثر استدامة، من خلال:
وفي يناير 2026، أعادت هيومان أبيل تأهيل منظومة إمداد بالمياه توفر نحو 480 مترًا مكعبًا من مياه الشرب النظيفة لما يقارب 8,000 شخص، في مثال يوضح كيف يمكن لإصلاح مصدر واحد أن يغير حياة مجتمع كامل.
كيف حث الإسلام على سقي الماء وإغاثة المحتاجين؟
رفع الإسلام قدر الماء، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. وفي الحديث المتفق عليه قال رسول الله ﷺ: «أفضلُ الصدقةِ سقيُ الماءِ»، أي إن الإحسان بسقي الإنسان والحيوان باب واسع للأجر والرحمة.
وتتضاعف أهمية هذا العمل حين يصل الماء إلى أسرة نازحة، أو طفل مريض، أو مجتمع حرمته الأزمة أبسط مقومات الحياة.
لماذا يعد توفير المياه النظيفة من أعظم صور الصدقة الجارية؟
قد يستمر نفع البئر أو شبكة المياه سنوات، ويشرب منها الناس، ويعدّون طعامهم، ويسقون زرعهم ومواشيهم. وكل منفعة متجددة تجعل العطاء أثرًا ممتدًا لا ينتهي بانتهاء لحظة التبرع.
وقال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. ويدخل توفير مصادر المياه المستدامة في معنى الصدقة الجارية متى استمر نفعها للناس.
من خلال دعم استجابة هيومان أبيل في السودان، يمكن الإسهام في توفير المياه النظيفة وإعادة تأهيل مصادرها، لتستعيد الأسر صحتها وكرامتها وقدرتها على بناء حياة أكثر أمانًا. فكل قطرة تصل إلى محتاج قد تكون نجاة من العطش، وحماية من المرض، وبداية أمل لمجتمع بأكمله.