16 يوليو 2026
تفرض الأزمات الإنسانية على الأسر أخطارًا متداخلة؛ فقد يتزامن النزوح مع الإصابة، وينقطع العلاج عن أصحاب الأمراض المزمنة، وتصبح الحمى أو العدوى المعوية تهديدًا حقيقيًا في بيئة تفتقر إلى المياه الآمنة والصرف الصحي. وبينما ينشغل الوالدان بتأمين المأوى والغذاء، قد يصعب عليهما الوصول إلى طبيب أو شراء دواء أساسي لطفلهما.
لذلك تمثل الرعاية الصحية في الأزمات خط دفاع يحمي الحياة ويمنع تفاقم المعاناة. فالكشف المبكر، والدواء المناسب، وتطعيم الأطفال، ورعاية الحوامل، ومتابعة المرضى؛ كلها تدخلات قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقًا حاسمًا في الأماكن التي أضعفت فيها الأزمات قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على العمل.
لماذا تعد الرعاية الصحية من أهم الاحتياجات الإنسانية أثناء الأزمات؟
ترتبط الصحة بكل جانب من جوانب حياة الأسرة. فالطفل المريض لا يستطيع الانتظام في التعليم، والمصاب الذي لا يتلقى العلاج قد يفقد قدرته على العمل، والأم التي تفتقر إلى الرعاية أثناء الحمل والولادة تواجه مخاطر كان من الممكن الحد منها بتدخل طبي في الوقت المناسب.
وتزداد أهمية الرعاية الصحية الإنسانية لأن الاحتياجات لا تتوقف عند علاج الإصابات الطارئة؛ بل تشمل أيضًا:
ومن ثم، فإن دعم الخدمات الصحية يساعد الأسرة على تجاوز الخطر المباشر، ويعزز قدرتها على مواصلة حياتها وسط ظروف بالغة الصعوبة.
كيف يمكن أن تتحول الأمراض البسيطة إلى خطر عند غياب العلاج؟
قد تبدأ الحالة بإسهال أو جرح صغير أو التهاب في الجهاز التنفسي، ثم تتفاقم نتيجة تأخر التشخيص أو غياب الدواء. فالإسهال المصحوب بنقص المياه قد يؤدي إلى جفاف حاد، والعدوى غير المعالجة قد تنتشر في الجسم، كما يمكن أن يتحول الجرح البسيط إلى التهاب خطير إذا تعذر تنظيفه ورعايته.
وتصبح الأمراض في المخيمات أسرع انتشارًا بسبب الازدحام، وضعف التهوية، ومحدودية مرافق الصرف الصحي، وصعوبة حفظ الطعام والدواء بطريقة آمنة. وقد تنتقل العدوى بين أفراد الأسرة والجيران خلال فترة قصيرة، خصوصًا إذا لم تتوافر وسائل الوقاية أو الفحص المبكر.
هنا تظهر قيمة الرعاية الطبية المنتظمة؛ إذ يمكن لاستشارة قصيرة أو جرعة علاج مناسبة أن تمنع مضاعفات مؤلمة، وتختصر رحلة طويلة من المرض، وتحمي أفرادًا آخرين من العدوى.
ما التحديات التي تواجه الأسر في الوصول إلى الرعاية الصحية؟
تعوق النزاعات والكوارث والنزوح عمل المنشآت الطبية، وقد تتضرر الطرق أو تنقطع الكهرباء والمياه عن المستشفيات. كما يؤدي نقص الوقود والمعدات والكوادر إلى تقليص قدرة المراكز المتبقية على استقبال المرضى.
وتواجه الأسر عقبات إضافية، منها:
وتبدو هذه الصعوبات أشد في سياق الرعاية الصحية في المناطق الفقيرة، حيث كانت الموارد محدودة قبل وقوع الأزمة أصلًا. وبذلك يصبح الوصول إلى الرعاية الصحية مسألة تتعلق بالمسافة والأمان والقدرة المادية وتوافر الخدمة في آن واحد.
لماذا يكون الأطفال وكبار السن أكثر تأثرًا بنقص الخدمات الطبية؟
ما زالت مناعة الأطفال في طور النمو، كما تفقد أجسامهم السوائل بسرعة أكبر عند الإصابة بالإسهال أو القيء. وقد يؤثر تأخر علاج العدوى أو سوء التغذية في نمو الطفل الجسدي والذهني، بينما يؤدي تعطل برامج التطعيم إلى زيادة احتمالات الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها.
أما كبار السن، فكثيرًا ما يحتاجون إلى أدوية ثابتة وفحوص دورية ومتابعة دقيقة لأكثر من مرض. وقد يؤدي انقطاع علاج الضغط أو السكري أو القلب إلى مضاعفات حادة. وتواجه هذه الفئة كذلك صعوبة في الحركة والانتظار لساعات طويلة أو قطع مسافات بعيدة بحثًا عن الخدمة.
إن حماية صحة الأسر في المخيمات تستلزم إعطاء الأولوية للأطفال وكبار السن والحوامل وذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة، لأن تأخر الرعاية بالنسبة إليهم قد تكون عواقبه أسرع وأشد.
كيف يؤثر نقص الأدوية والعيادات على صحة المجتمعات المتضررة؟
لا يضر نقص الأدوية بالمريض وحده؛ إذ تتراكم آثاره على الأسرة والمجتمع بأكمله. فقد يضطر أحد الوالدين إلى ترك العمل لرعاية طفل مريض، أو تنفق الأسرة ما تبقى لديها على شراء العلاج، أو تلجأ إلى الاقتراض وبيع ممتلكاتها الأساسية.
كما يؤدي تعطل الخدمات الطبية للنازحين إلى ازدحام المنشآت القليلة العاملة، وتأخر التشخيص، وانقطاع علاج الأمراض المزمنة. وقد يسهم غياب المضادات الحيوية المناسبة أو سوء استخدامها في زيادة مقاومة الميكروبات، بينما يسمح ضعف التطعيم والترصد الصحي بانتشار الأوبئة قبل اكتشافها واحتوائها.
لهذا ينبغي أن تشمل الاستجابة الصحية توفير الأدوية والمستلزمات، ودعم الكوادر، وتعزيز الوقاية والتوعية، وإنشاء نظام واضح لإحالة الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة.
لماذا تزداد الحاجة إلى الرعاية الصحية خلال فصل الصيف؟
ترفع درجات الحرارة الشديدة مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري، وخاصة داخل الخيام المكتظة التي تفتقر إلى التهوية والتبريد. كما يفسد الطعام بصورة أسرع، وقد تتلوث مصادر المياه أو تقل كمياتها، فتزداد احتمالات الإسهال والتسمم الغذائي وبعض الأمراض الجلدية.
ويحتاج الرضع والحوامل وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة إلى متابعة أكبر خلال موجات الحر. وقد تؤثر الحرارة أيضًا في سلامة بعض الأدوية إذا لم تتوافر وسائل التخزين المناسبة. لذلك ينبغي أن تتكامل الرعاية الصيفية مع توفير مياه الشرب الآمنة، ومستلزمات النظافة، والتوعية بعلامات الجفاف وضربات الحرارة، والتدخل السريع عند ظهورها.
كيف تساهم العيادات المتنقلة والمساعدات الطبية في إنقاذ الأرواح؟
تنقل العيادات المتنقلة الخدمة إلى الأشخاص الذين تعجز ظروفهم عن الوصول إليها. وتوضح منظمة الصحة العالمية أنها وسيلة مرنة للوصول إلى المجتمعات المعزولة والفئات الأشد ضعفًا والنازحين حديثًا، وقد تكون مصدر الرعاية الوحيد المتاح لبعضهم. وتقدم هذه العيادات خدمات مثل التشخيص والعلاج، ومتابعة الأمراض المزمنة، والتطعيم، ورعاية الأمهات والأطفال، والدعم النفسي والإحالة الطبية.
وتكمن أهمية المساعدات الطبية للأسر النازحة في قدرتها على اكتشاف الحالات مبكرًا قبل أن تصبح طارئة، وتخفيف الضغط عن المستشفيات، والوصول إلى النساء والأطفال وكبار السن بالقرب من أماكن إقامتهم. وقد أظهرت تجربة العيادات المتنقلة المدعومة من منظمة الصحة العالمية في السودان قدرتها على تقديم الرعاية الأولية للنازحين والمجتمعات المضيفة في المناطق التي تعطلت فيها المنشآت الصحية أو تعذر بلوغها.
كيف حث الإسلام على رعاية المرضى والتخفيف عن المحتاجين؟
جعل الإسلام حفظ النفس مقصدًا عظيمًا، وأعلى شأن كل عمل يحمي الإنسان من الهلاك ويخفف ألمه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
وتشمل رعاية المريض زيارته، ومواساته، وتوفير علاجه، ومساندة أسرته، وإزالة العوائق التي تحول دون حصوله على الرعاية. قال رسول الله ﷺ: «مَن نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة» رواه مسلم.
ما فضل علاج المرضى ومساعدتهم في الإسلام؟
يمثل علاج مريض أو توفير دوائه تفريجًا لكربته وحفظًا لكرامته وإعانةً لأسرته. وقد يصل أثر التبرع إلى طفل يستعيد عافيته، أو حامل تلد بأمان، أو مسن يواصل علاجه، أو مجتمع يُحمى من تفشي مرض معدٍ.
ومن خلال دعم مشاريع هيومان أبيل الصحية، يمكن المساهمة في توفير الفحوص والأدوية والمستلزمات وتشغيل العيادات والوصول إلى الأسر المحرومة من العلاج. فالمساعدة التي تصل في وقتها قد توقف ألمًا، وتمنع مضاعفات، وتحفظ حياة؛ وفي الأزمات، قد يبدأ الأمل من طبيب يصل، أو دواء يتوافر، أو يد رحيمة تقف إلى جانب مريض.
كيف حث الإسلام على إغاثة النازحين ومساندتهم في أوقات الشدة؟
جعل الإسلام تفريج الكرب وإعانة المحتاج من أعظم أبواب البر، فقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ المائدة: 2
وقال رسول الله ﷺ: «مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرّج عن مسلم كربةً فرّج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة» متفق عليه.
إن مساندة الأسرة النازحة لا تعني مساعدتها على تجاوز ليلة واحدة فحسب، بل الوقوف معها في رحلة تبدأ بالنجاة، وتمتد إلى التعافي، وتنتهي - بإذن الله - باستعادة الأمان والكرامة والأمل.