13 سبتمبر 2026
في الخارج مطر وبرد، وفي الداخل طفل يسأل للمرة العاشرة: "ماذا أفعل؟"
نعرف هذا المشهد جيداً. لكن أيام الشتاء التي نقضيها في المنزل لا تحتاج إلى برنامج مزدحم ولا إلى ألعاب جديدة كل أسبوع. ففي بيوتنا كثير مما يمكن تحويله إلى نشاط: مطبخ، وخزانة تحتاج إلى ترتيب، وجدّة لديها عشرات الحكايات، وورق وألوان، وأشياء بسيطة يمكن أن نصنع منها يوماً جميلاً.
بل يمكن أن نفعل أكثر من ذلك: أن نجعل بعض هذه الأنشطة فرصة ليتعلم الطفل، بطريقة طبيعية، أن الشتاء موسم للتكافل أيضاً.
ليلة الحكايات العائلية... كيف كان أجدادنا يقضون الشتاء؟
بدلاً من قصة من كتاب هذه المرة، اجعلوا الجد أو الجدة هما الراويين، واسألوهما عن شتاء طفولتهما. كيف كانت البيوت تُدفأ قبل وسائل التدفئة الحديثة؟ كيف كانوا ينامون في الليالي شديدة البرودة؟ هل كانت الملابس الشتوية متوافرةً كما هي اليوم؟ ماذا كانوا يأكلون؟ وكيف كانوا يصلون إلى المدرسة في المطر والبرد؟
قد يسمع الطفل للمرة الأولى عن بيت كانت الغرفة الواحدة فيه هي الأكثر دفئاً، فتجتمع فيها الأسرة كلها، أو عن موقد يحتاج إلى الحطب أو الفحم، أو عن معطف ينتقل من الأخ الأكبر إلى الأصغر، أو عن أيام لم يكن فيها الماء الساخن وضغطة زر تشغّل المدفأة أمراً بديهياً.
ويمكن للأطفال بعد الحكاية أن يرسموا "شتاءً في زمن جدي وجدتي"، ثم يقارنوه بيوم شتوي من حياتهم: مدفأة، وماء ساخن، ومعطف، وبطانية، وحذاء يحمي من المطر، وثلاجة فيها طعام.
ليست الغاية أن نقول لهم إن الماضي كان أفضل أو أن نشعرهم بالذنب لما يملكونه، بل أن نلفت انتباههم إلى النعم التي تمر أمامهم كل يوم من دون أن يلاحظوها.
ومن هنا يمكن أن يبدأ سؤال أجمل: إذا كنا نشكر الله على بيت دافئ وطعام وملابس تحمينا من البرد، فكيف نشارك شيئاً من هذه النعم مع شخص لا تتوافر له اليوم؟
فالحكاية التي تبدأ من ذاكرة الجد والجدة يمكن أن تنتهي بالتعاطف مع طفل يعيش الآن شتاءً يشبه، في بعض جوانبه، ذلك الشتاء القديم: تدفئة محدودة، أو كساء غير كافٍ، أو طعام تحسب أسرته كلفته قبل كل وجبة. وهكذا لا يتعلم الطفل شكر النعمة بالكلمات وحدها، بل يكتشف أن من أجمل طرق شكرها أن نرى من حُرم منها، وأن نتقاسم معه شيئاً مما لدينا.
ندخل المطبخ معاً
المطبخ واحد من أفضل أماكن النشاط في يوم شتوي. اختاروا وصفة بسيطة يحبها أطفالكم: شوربة العدس، أو كعكاً منزلياً، أو فطائر، أو أي طبق ترتبط به عائلتكم في الشتاء. دعوا الطفل يغسل ويقيس ويخلط ويزيّن بما يناسب عمره.
ثم أضيفوا إلى الوصفة سؤالاً صغيراً: "ما رأيكم أن نعدّ كميةً إضافيةً لجارنا؟"
هكذا يتعلم الطفل أن مشاركة الطعام لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة، وأن طبقاً يخرج من مطبخ البيت يمكن أن يحمل معه مودةً لا تقل أهميةً عن الطعام نفسه.
ألعاب من أيامنا، وأيام أجدادنا
اسألوا أفراد الأسرة عن ألعاب طفولتهم التي يمكن لعبها في المنزل. يمكن أن تكون أمسية للألغاز والأحاجي، أو لعبة "اسم، حيوان، نبات"، أو الكلمات المتسلسلة، أو تمثيل الأمثال، أو لعبة يتولى فيها كل شخص إكمال حكاية بدأها الآخر.
ويمكن أن يصبح التحدي أكثر طرافةً حين يكون الجد أو الجدة حكماً للمسابقة، خصوصاً في الأمثال والكلمات القديمة التي قد يسمعها الأطفال للمرة الأولى.
افتحوا خزانة الشتاء
هذا نشاط مفيد للبيت ولغيره في الوقت نفسه. افتحوا خزانة الملابس مع الأطفال، وابحثوا عن المعاطف والكنزات والأوشحة والأحذية التي لم تعد تناسبهم، لكنها لا تزال بحالة جيدة.
دعوا الطفل يشارك في اختيار ما سيقدمه، ثم تنظيف القطع وطيّها وترتيبها في أكياس مناسبة. المهم أن نشرح له الفكرة ببساطة: نحن لا نعطي الآخرين ما لا نريده؛ بل نشاركهم شيئاً جيداً يمكنهم الانتفاع به. وهذا فرق صغير في الكلمات، لكنه كبير في معنى العطاء الذي يتعلمه الطفل.
اصنعوا "صندوق الشتاء"
اختاروا صندوقاً عادياً ودعوا الأطفال يزيّنونه ويكتبوا عليه "صندوق الشتاء". ثم اتفقوا على ملئه خلال أيام بأشياء يمكن أن تحتاج إليها أسرة أخرى: مواد غذائية محفوظة، أو مستلزمات شتوية جديدة، أو قبعات وقفازات، أو غيرها مما يناسب الجهة التي ستتبرعون لها.
يمكن للطفل أن يختار في كل مرة غرضاً يضيفه إلى الصندوق. وعندما يمتلئ، اذهبوا معاً لتقديمه إلى أسرة تعرفونها أو إلى جهة موثوقة تستقبل هذه التبرعات. فمشاهدة رحلة العطاء من البيت إلى مستحقه تجعل الفكرة أكثر واقعيةً لدى الطفل.
حصّالة للعطاء
ليس ضرورياً أن يأتي التبرع دائماً من ميزانية الكبار. يمكن للأسرة أن تخصص حصّالةً صغيرةً للعطاء، يضع فيها كل فرد ما يستطيع بين حين وآخر. وإذا أراد الطفل أن يشارك بجزء صغير من مصروفه، فليكن القرار اختياره لا واجباً عليه.
وعندما يجتمع مبلغ مناسب، اجلسوا مع الأطفال وناقشوا معهم: ماذا يمكن أن نفعل به؟ شراء بطانية؟ المساهمة في سلة غذائية؟ دعم حملة شتوية؟
بهذه الطريقة يتعلم الطفل شيئاً مهماً: العطاء ليس مرتبطاً بحجم ما نملك، بل باستعدادنا لأن نشارك منه.
قائمة مشتريات لشخص آخر
حين تذهب الأسرة لشراء حاجيات المنزل، يمكن إعداد قائمة ثانية صغيرة. دعوا الطفل يفكر: ماذا تحتاج أسرة في الشتاء؟ عدس، وأرز، وزيت، وحليب؟ بطانية؟ جوارب دافئة؟
ثم اختاروا بحسب استطاعتكم بعض هذه الأشياء، واجعلوا الطفل يشارك في شرائها وترتيبها. فبدلاً من أن يسمع عن "مساعدة المحتاجين" كمفهوم مجرد، يبدأ في فهم الاحتياجات الحقيقية التي توجد في كل بيت.
بطاقة تحمل شيئاً من المودة
إذا كنتم ستقدمون طعاماً أو ملابس أو سلةً شتويةً، يمكن للأطفال إضافة شيء لا يُشترى: رسالة. دعوا الطفل يرسم بطاقةً أو يكتب دعاءً أو عبارةً لطيفةً للأسرة التي ستتلقى الهدية، من دون تصويرها أو معرفة تفاصيلها الشخصية. فهناك قيمة جميلة في أن يفهم الطفل أن العطاء ليس تبادلاً للأشياء فقط؛ بل احترام ومودة أيضاً.
تحدي "عمل خير كل أسبوع"
يمكن أن يصبح الشتاء كله مشروعاً عائلياً صغيراً. اكتبوا أعمالاً بسيطةً على قصاصات ورق: الاتصال بقريب مسن، إعداد طبق لجار، التبرع ببطانية، شراء طعام لأسرة، مساعدة شخص في حمل حاجياته، أو المساهمة في حملة إغاثية. وفي كل أسبوع، يسحب أحد الأطفال ورقةً لتنفذ الأسرة ما فيها.
ليس الهدف أن نحول الخير إلى مسابقة، بل أن يصبح السؤال "ماذا يمكننا أن نفعل هذا الأسبوع؟" جزءاً مألوفاً من حياة البيت.
ما الذي نريد أن يتذكره أطفالنا عن الشتاء؟
ربما سيتذكرون رائحة حساء العدس، وصوت المطر على النافذة، والجلسات الطويلة، واللعبة التي أصرّ أحد الأخوة أنه لم يخسر فيها! لكن يمكن أن نترك لهم ذكرىً أخرى: أن الشتاء هو الوقت الذي نتفقد فيه الجيران، ونرسل طبقاً من طعامنا إلى بيت آخر، ونفتح خزائننا لنتقاسم ما لدينا، ونسأل عن المسنّ والوحيد ومن ضاقت به الحال.
ومن خلال حملة الشتاء، يمكن للأسرة أن تجعل الأطفال جزءاً من هذا العطاء أيضاً: اختاروا معهم ما تريدون المساهمة به، واشرحوا لهم ببساطة كيف يمكن للتبرع أن يساعد في توفير الغذاء والكساء ولوازم الشتاء لأسر تحتاج إليها.
فالطفل الذي يشارك اليوم في إعداد صندوق صغير، أو اختيار بطانية، أو وضع شيء من مصروفه في حصّالة العطاء، قد يكبر وهو يعرف أن تفقد الآخرين ليس عملاً استثنائياً نفعله مرةً في السنة. إنه ببساطة شيء يفعله الجيران للجيران، ويفعله الناس بعضهم لبعض. ولعل هذا أجمل نشاط عائلي يمكن أن يبقى معنا بعد أن ينتهي الشتاء.