10 سبتمبر 2026
يكفي أحياناً أن يتغير الطقس، حتى تتغير رائحة البيت. فمع أول مساء بارد، تعود أطباق غابت طويلاً عن الموائد: العدس، والقرفة والزنجبيل، وحساء الحبوب، والكستناء والبطاطا الحلوة، وأكلات تحتاج إلى نار هادئة ووقت أطول، كأن الشتاء لا يغيّر ما نرتديه فحسب، بل أيضاً ما نشتهيه وما نطبخه.
واللافت أن هذا يحدث في مطابخ متباعدة جداً. فمن بلاد الشام إلى المغرب العربي، ومن مصر والسودان إلى تركيا وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، صنعت المجتمعات العربية والإسلامية أطعمتها الخاصة للأيام الباردة. تختلف الأسماء والمقادير، لكن الفكرة تكاد تكون واحدة: حين يبرد العالم في الخارج، تصبح المائدة أكثر دفئاً.
فكيف نشأت هذه العلاقة بين الشتاء والطعام؟ وهل تدفئنا بعض الأطعمة فعلاً، أم أننا ورثنا هذا الإحساس عن أجدادنا وجدّاتنا؟
حين كان الفصل يقرر ما يوضع على المائدة
لوقت طويل، لم يكن الطعام منفصلاً عن الفصول كما هو اليوم. كان الناس يأكلون مما تنتجه الأرض في موسمه، ويخزنون ما يستطيعون للأيام التي يقل فيها المحصول.
لهذا كان للشتاء مطبخه الخاص؛ فالحبوب والبقول المجففة والعدس والحمص والفاصولياء والتمر والمكسرات أطعمة يمكن حفظها طويلاً وتحويلها إلى وجبات مشبعة تكفي الأسرة.
أما القدر الذي يبقى فوق النار ساعات، فلم يكن مجرد أسلوب للطهي؛ فقد اجتمعت حوله حاجات الشتاء: طعام ساخن، ومكونات متاحة، ووجبة تكفي عدداً من الناس. ومن هنا نفهم لماذا بقي الحساء واليخنات والأطباق المطهوة ببطء جزءاً من ذاكرتنا الشتوية.
شوربة العدس: الطبق الذي يكاد يفهم الشتاء وحده
يصعب الحديث عن الشتاء في المشرق من دون أن يظهر العدس في الصورة. إنه طعام قديم في المنطقة، سهل التخزين ومشبع، ويمكن أن يتحول بقليل من الماء والتوابل إلى قدر يكفي أسرة كاملة.
ويمنح العدس الجسم البروتين النباتي والكربوهيدرات والألياف، إلى جانب عناصر غذائية مهمة كالحديد والفولات. لكن هل يعطي الحرارة حقاً؟
الجسم ينتج الحرارة باستمرار، كما يتطلب هضم الطعام واستخدام عناصره الغذائية طاقة. ويمنح الحساء الساخن إحساساً مباشراً ومريحاً بالدفء. لذلك، لم تكن جدّاتنا بحاجة إلى المصطلحات العلمية ليعرفن أن قدراً من شوربة العدس رفيق ممتاز لمساء بارد.
الحريرة المغربية: وجبة في وعاء
وعلى الضفة الأخرى من العالم العربي نجد الحريرة؛ الحساء المغربي الكثيف الذي يجمع عادةً بين الطماطم والبقول والحبوب والأعشاب والتوابل.
ترتبط الحريرة بقوة بشهر رمضان، لكنها أيضاً تلائم الطقس البارد: ساخنة، غنية ومشبعة. وفي وعاء واحد تجتمع مكونات تجعلها أقرب إلى وجبة كاملة. وهذه سمة متكررة في الأطعمة الشتوية التقليدية: أن تشبع، وتستفيد من المخزون المتاح، وتكفي أكثر من فرد.
من الخليج: روائح الهريس والثريد
في الجزيرة العربية والخليج، نجد الهريس القائم أساساً على القمح واللحم، والمطهو طويلاً حتى يندمج الاثنان في قوام واحد. وهنا تظهر سمة أخرى من سمات مطبخ الشتاء: الطهي البطيء.
ويحضر الثريد أيضاً في تراث المطبخ العربي؛ خبز يُشرّب بالمرق ويجتمع مع اللحم أو الخضراوات، فيتحول ما هو بسيط ومتاح إلى طعام دافئ ومشبع.
وتخبرنا هذه الأطباق بشيء يتجاوز الطعام؛ فقد كان الشتاء موسماً للبقاء أقرب إلى البيوت، وكان القدر الكبير يلائم حياة تجتمع فيها الأسرة حول طعام واحد.
السحلب: حين صار الشراب جزءاً من ذاكرة الشارع
هناك أطعمة نربطها بالشتاء لأن الفصل نفسه يبدو ناقصاً من دونها، والسحلب واحد منها.
عرفت مناطق من العالم العثماني مشروبات صنعت من مسحوق جذور بعض أنواع الأوركيد، ثم تطورت الوصفات، وأصبح السحلب في صورته الشائعة شراباً ساخناً كثيفاً يزيّن بالقرفة والمكسرات أو جوز الهند.
وفي بلاد الشام ومصر وتركيا، صار السحلب جزءاً من ذاكرة الشتاء. فنحن لا نأكل لحاجة أجسامنا إلى الغذاء وحده؛ نأكل أيضاً لأن للطعام ذاكرة. قد تعيدنا رائحة القرفة إلى بيت الطفولة، وقد يستحضر كوب ساخن مساءات عائلية بعيدة. فنحن نورث الحكاية مع الوصفة.
في جنوب آسيا، للتوابل حكاية أخرى
في باكستان والهند وبنغلاديش وأجزاء أخرى من جنوب آسيا، يصبح الشتاء أكثر عطراً. فالزنجبيل والقرفة والهيل والقرنفل والفلفل تدخل في أطعمة ومشروبات ساخنة كثيرة، إلى جانب أطباق الحبوب والعدس واللحوم.
ولبعض التوابل أثر حقيقي في الإحساس بالحرارة؛ فالمواد الحارة في الفلفل، مثلاً، تنشط مستقبلات مرتبطة بهذا الإحساس. لكن ذلك لا يعني أنها بديل عن الملابس أو التدفئة، بل إنها جزء من تجربة جسدية وثقافية جعلت الطعام المتبّل رفيقاً للأيام الباردة.
لماذا نجوع أكثر حين يبرد الجو؟
الأمر أعقد من المقولة الشائعة إن الجسم يحتاج إلى طعام أكثر في الشتاء. فقد يزيد استهلاك الطاقة عند التعرض للبرد، خصوصاً إذا طال التعرض ولم تتوافر تدفئة كافية، لكن ذلك يختلف من شخص إلى آخر.
ومع ذلك، نميل شتاءً إلى الأطعمة الساخنة والمشبعة. وجزء من الأمر نفسي وحسي؛ فالطعام الساخن يمنح إحساساً بالراحة، كما يرتبط الشتاء في ذاكرتنا بطقوس وأطعمة تعلمنا منذ الصغر انتظارها. فنحن لا نتذوق الطعام بألسنتنا وحدها؛ نتذوقه بذاكرتنا أيضاً.
ربما لهذا تتشابه موائد الشتاء أكثر مما نظن
تختلف الأسماء والتوابل والوصفات، لكن موائد الشتاء في البلدان العربية والإسلامية يجمعها خيط واضح: قدر على النار، وحبوب أو بقول أو لحم يُطهى على مهل، وبهارات عطرة، وطعام ساخن، ومائدة لا تُعد عادةً لشخص واحد.
وراء ذلك تاريخ طويل من التكيف مع الفصول، ثم تحويل الضرورة، جيلاً بعد جيل، إلى عادة، والعادة إلى وصفة، والوصفة إلى جزء من الهوية.
وهكذا لم يعد العدس مجرد محصول، ولا الهريس مجرد قمح ولحم، ولا السحلب مجرد شراب ساخن. صارت لهذه الأطعمة مواسم وذكريات وروائح. وصار الشتاء، بطريقة ما، فصلاً نأكله أيضاً.
لكن ليست كل مائدة في الشتاء دافئة
الدفء الذي نربطه بالطعام يحتاج أولاً إلى بيت، ووسيلة للطهي، ومكونات يمكن شراؤها. وبالنسبة إلى أسر تواجه الفقر أو النزوح أو ظروفاً إنسانية قاسية، قد تصبح الوجبة الساخنة نفسها أمراً يصعب تأمينه كل يوم.
وهنا يعود الطعام إلى معناه الأول: حاجة أساسية تمنح الجسم الطاقة والأسرة شيئاً من الأمان.
لذلك، حين نتحدث في حملة الشتاء عن الغذاء والتدفئة والكساء، فنحن نتحدث عن أجزاء من سؤال واحد: كيف تستطيع أسرة أن تعبر الشتاء بأمان وكرامة؟
وقد يبدأ الجواب ببطانية، أو وسيلة للتدفئة، أو سلة غذائية تساعد على إبقاء قدر ساخن فوق النار.
حين تتّسع المائدة
لعل أجمل ما في أطعمة الشتاء ليس ما تمنحه للجسد من دفء، بل ما تفعله بنا حين نجتمع حولها. ففي ذاكرتنا، لم يكن قدر الطعام يُحسب دائماً على عدد أهل البيت وحدهم؛ كان ثمة نصيب لجار، وصحن يُرسل إلى قريب، وحصة لمن يحتاج.
وما أحوجنا إلى ألا نفقد هذه العادة. حين تُعدّ حساءً ساخناً هذا الشتاء، تذكّر بيتاً قريباً قد يحتاج إليه. وحين تشتري لأطفالك معاطفهم وبطانياتهم، فكّر في طفل لم تستطع أسرته أن تفعل الأمر نفسه. وتفقّد الجار الذي لا يطلب، والقريب الذي يخفي ضيق الحال، والمسنّ الذي قد تمر عليه أيام البرد وحيداً.
قليل من الطعام، أو مؤونة الشتاء، أو بطانية، أو كسوة دافئة؛ أشياء مألوفة في بيوتنا، لكنها قد تعني الكثير في بيت آخر. وإذا لم تعرف إلى أي باب تحمل عطاءك، فمن خلال حملة الشتاء يمكن لتبرعك أن يصل غذاءً أو كساءً أو احتياجات شتوية إلى أسرة تحتاج إليها.
ولعل هذه أجمل عادة شتوية يمكن أن نورثها: كلما أوقدنا دفئاً في بيوتنا، تذكّرنا بيتاً آخر. وكلما اتّسعت موائدنا، تركنا عليها مكاناً لغيرنا.