مأكولات الشتاء حول العالم: ماذا يضع البشر على النار حين يبرد الطقس؟

مأكولات الشتاء حول العالم

يبدو أن البشر، على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، توصلوا منذ زمن بعيد إلى اتفاق غير مكتوب: إذا اشتد البرد، ضع شيئاً في قدر واتركه على النار. بعد ذلك تبدأ الخلافات.

قوم يضعون العدس، وآخرون الملفوف، وغيرهم اللحم والبطاطا. هناك من يضيف الفلفل حتى يصبح الطبق أدفأ من المدفأة، ومن يرى أن الحل المنطقي للشتاء هو إذابة كمية محترمة من الجبن والبدء بغمس الخبز فيها. والنتيجة أن لكل بلد تقريباً طريقته الخاصة في مقاومة مساء بارد.

فلنقم معاً بجولة في مأكولات الشتاء حول العالم. لا نحتاج إلى حقيبة سفر؛ كل ما نحتاج إليه هو إلى شهية جيدة.

وجبات ساخنة للسودان
>لماذا ترتبط أكلات معينة بفصل الشتاء؟

لماذا ترتبط أكلات معينة بفصل الشتاء؟

قبل الثلاجات والأسواق التي توفر كل شيء طوال العام، كان الشتاء يقرر جانباً كبيراً مما يوضع على المائدة.

كان الناس يعتمدون على الحبوب والبقول والخضراوات التي تتحمل التخزين، وما حُفظ أو جُفف أو خُلّل في المواسم السابقة. وكانت الأطباق التي تطهى ببطء وسيلةً ذكيةً لتحويل مكونات بسيطة إلى وجبة مشبعة تكفي عدة أشخاص. ومن هنا امتلأت مطابخ الشتاء بالشوربات واليخنات والحبوب والبطاطا والخبز. 

وما زالت هذه الأطباق حاضرةً حتى بعد أن صار بإمكاننا شراء الطماطم في غير موسمها والفراولة في وقت يبدو فيه ظهور الفراولة تصرفاً غريباً بعض الشيء. فالطعام لا يعيش بالمكونات وحدها. تعيش فيه العادة والذاكرة أيضاً.

وجبات ساخنة للنازحين في غزة
شوربة العدس: الطبق الذي يكاد يفهم الشتاء وحده
الحريرة المغربية: وجبة في وعاء

ما أشهر مأكولات الشتاء حول العالم؟

في بلادنا العربية: القدر يعرف الطريق

يصعب أن يمر الشتاء العربي من دون أن يظهر العدس. شوربة كثيفة، وكمون، وعصرة ليمون، وخبز قريب بما يكفي لالتقاط آخر ما بقي في الطبق.

وفي المغرب تحضر الحريرة بما تجمعه من بقول وطماطم وتوابل وأعشاب، بينما تظهر في مطابخ عربية أخرى أطباق من الحبوب والبقول واليخنات التي تختلف أسماؤها ومكوناتها، لكن فكرتها واحدة تقريباً: وجبة ساخنة، مشبعة، ويستطيع قدر واحد منها أن يجمع الأسرة حوله.

ربما كان هذا أحد أسرار أكلات الشتاء عندنا: كثير منها لم يُصنع لفرد واحد.

>لماذا ترتبط أكلات معينة بفصل الشتاء؟

إيطاليا: لا تهدر الخبز أو الخضروات القديمة

في توسكانا نجد الريبوليتا، وهي حساء ريفي ارتبط بالمطبخ المتواضع، يقوم على الخضراوات والفاصولياء والخبز. حتى اسمها يحيل إلى إعادة التسخين. وهذه واحدة من أجمل صفات مطابخ الشتاء القديمة: قدرتها على إنقاذ الأشياء من الهدر. خبز الأمس؟ ممتاز.

قليل من الفاصولياء؟ أحضروها. خضراوات متوفرة؟ ضعوها في القدر.

ثم يخرج من هذه الأشياء المتفرقة طبق صار اليوم من الأكلات المعروفة في المطبخ الإيطالي. فأحياناً يبدأ الطبق الشهير من مطبخ كان يحاول ببساطة ألا يهدر شيئاً.

وجبات ساخنة لليمن
فرنسا: البصل يمكن أن يصبح عشاءً محترماً جداً
المجر: طبق لا يخجل من البابريكا

فرنسا: البصل يمكن أن يصبح عشاءً محترماً جداً

البصل ليس أكثر مكونات المطبخ بهرجةً. ومع ذلك، أعطه وقتاً كافياً على النار، ثم مرقاً وخبزاً وجبناً، وستحصل على حساء البصل الفرنسي.

وهنا يظهر خيط سنراه مراراً في أطباق الشتاء حول العالم: المكونات المتواضعة لا تعني بالضرورة طعاماً متواضع المذاق. فالشتاء يحب الطبخ البطيء. يمنح البصل وقتاً كي يتحول، والمرق وقتاً كي يتركز، وأهل البيت سبباً وجيهاً للبقاء قرب المطبخ.

المجر: طبق لا يخجل من البابريكا

أما الغولاش المجري، فيدخل الشتاء بطريقة أكثر حزماً. لحم، وبصل، وبابريكا، وطهو بطيء؛ ثم تختلف الوصفات والتفاصيل بحسب البيت والمنطقة.

إنه من تلك الأطباق التي لا تبدو مستعجلةً للوصول إلى المائدة. وربما لهذا تلائم الأيام الباردة: فبعض أطعمة الشتاء لا تريد ناراً عاليةً، بل وقتاً طويلاً.

طرود غذائية لغزة
سويسرا: الجبن، لكن بمشروع كامل
اليابان: الجميع حول قدر واحد

سويسرا: الجبن، لكن بمشروع كامل

ثم نصل إلى الفوندو. الفكرة بسيطة إلى درجة العبقرية: جبن مذاب في إناء مشترك، وقطع خبز تُغمس فيه.

وهكذا استطاع السويسريون أن يحولوا "نأكل الجبن والخبز" إلى نشاط اجتماعي كامل. 

وهذه نقطة تتكرر في كثير من الأكلات الشتوية المشهورة: الوجبة ليست ساخنةً فحسب، بل تجمع الناس حول مصدر واحد للدفء والطعام. وفي ليلة شتوية طويلة، هذا جزء من الوصفة.

اليابان: الجميع حول قدر واحد

في اليابان، تأتي أطباق النابيمونو لتقدم الفكرة نفسها بلغتها الخاصة. قدر ساخن يوضع على المائدة، وتطهى فيه مكونات مختلفة من الخضراوات والفطر والتوفو واللحوم أو المأكولات البحرية بحسب نوع الطبق.

يأكل الجميع من القدر وهو لا يزال أمامهم. هنا لا يصل الطعام ساخناً إلى المائدة. المائدة نفسها تصبح جزءاً من الطبخ. ولعل هذا يفسر لماذا تتكرر القدور المشتركة في مطابخ الشتاء: الطعام يدفئ، نعم، لكن الاجتماع حوله يفعل شيئاً آخر أيضاً.

وجبات ساخنة لسوريا
كيمتشي جيجيه

كوريا: بعض الناس يتعاملون مع البرد بالفلفل

في كوريا، يستطيع كيمتشي جيجيه أن يجعل برد الشتاء أكثر قدرةً على الاحتمال. يخنة ساخنة تعتمد على الكيمتشي، وتدخل فيها مكونات أخرى تختلف من وصفة إلى أخرى. حرارة القدر شيء، والفلفل شيء آخر تماماً.

وهكذا نجد أنفسنا أمام إجابة أخرى للسؤال القديم نفسه: كيف نصنع أكلات دافئة في الشتاء؟ أحياناً بالحرارة. وأحياناً بالتوابل. وأحياناً بكليهما، احتياطاً.


لماذا تختلف أكلات الشتاء من بلد إلى آخر؟

لأن الشتاء لا يصل إلى كل مطبخ بالطريقة نفسها. ما ينمو في الأرض يختلف. وما كان متاحاً للحفظ والتخزين يختلف.

والوقود وأساليب الطهو والعادات الدينية والاجتماعية وطرق الزراعة والتجارة كلها تركت أثرها في الطعام.

ولهذا نجد الملفوف والبطاطا والحبوب في مطابخ، والأرز والتوابل في أخرى، والبقول في أماكن كثيرة بأسماء ووصفات مختلفة. لكن وراء هذا التنوع فكرة مشتركة: البشر يطبخون بما تمنحه لهم أرضهم، ثم يحولون الضرورة مع الوقت إلى تقليد.

طرود غذائية للأكثر حاجة

هل الطعام الدافئ مجرد وسيلة للشعور بالراحة؟

ليس تماماً. الجسم يحتاج إلى الطاقة للمحافظة على حرارته، والطعام يمده بالطاقة والعناصر الغذائية التي يحتاج إليها. لكن حرارة الطبق نفسها لا تصنع حول الإنسان درعاً سحرياً ضد البرد.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال طبق الشتاء في السعرات. هناك شيء في وعاء الحساء الساخن بعد يوم بارد يتجاوز التغذية وحدها. إنه الرائحة التي تملأ البيت. والقدر الذي يكفي شخصاً إضافياً. والخبز الذي ينتقل من يد إلى أخرى. وربما لهذا بقيت أطعمة الشتاء مرتبطةً بالبيت والعائلة والضيافة في ثقافات كثيرة.


كيف يمكنك المساعدة في توفير الطعام للأسر المحتاجة هذا الشتاء؟ 

بعد كل هذه الرحلة، من العدس إلى الفوندو والنابيمونو، من السهل أن ننسى أبسط ما في الحكاية: لكي يصبح الطعام تقليداً شتوياً جميلاً، يجب أولاً أن يكون هناك طعام.

فكثيرٌ من الأسر ميسورة الحال لا يكون سؤالها في الشتاء: ماذا نطبخ الليلة؟ بل: هل لدينا ما يكفي لنطبخ؟ ومع ارتفاع احتياجات الشتاء، قد تضطر أسر محدودة الدخل أو نازحة إلى توزيع موارد قليلة بين الغذاء والتدفئة والدواء والملابس.

هنا يعود القدر الذي بدأنا به إلى معناه الأول. طعام ساخن، يكفي الأسرة، ويمنحها ما تحتاج إليه لتكمل يوماً بارداً آخر.

ومن خلال حملة الشتاء، يمكن للمساهمة في برامج الغذاء، حيث تكون ضمن الاستجابة، أن تساعد في توفير الطعام للأسر بحسب احتياجاتها. فقد تختلف وصفات الشتاء من بلد إلى آخر اختلافاً هائلاً. لكن أجمل ما يمكن أن يحدث لقدر على النار، في أي لغة، أن يكون فيه ما يكفي لشخص آخر.

وفر الوجبات الساخنة لمن هم في أمس الحاجة إليها

تبرع الآن
عودة للأخبار