21 يناير 2025
شهر رمضان هو موسم للطاعة والعبادة، فيه تتهذب النفوس وتُغفر الذنوب، وفرصة عظيمة للتقرب من الله، وترك شهوات الدنيا. ولكن، لتحقيق هذا القرب ونيل الأجر، لا بد للصائم من فهم أركان الصيام وأساسياته. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو عبادة لها أركان وشروط لا تكتمل إلا بها.
تعريف الصيام وأركانه
الصيام لغةً هو الإمساك، أما اصطلاحًا فهو الامتناع عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد لله والامتثال لأوامره وأداء فريضته. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
هذه الآية توضح أن الصيام ليس مجرد تكليف، بل هو وسيلة لتقوى القلوب.
تفصيل في أركان الصيام
عند الحديث عن الصيام في الإسلام، يكثر التساؤل حول ما هي أركان الصيام وكم عدد أركان الصيام، وقد اتفق جمهور العلماء على أن للصيام ركنين أساسيين لا يصح إلا بهما. وتمثّل أركان الصيام جوهر العبادة وحقيقتها، فإذا اختلّ أحدها بطل الصيام. ومن المهم التفريق بين أركان الصيام وشروطه، فالأركان هي ما يقوم عليه الصيام ذاته، أما الشروط فهي ما يجب توفره قبل الدخول في العبادة.
الركن الأول من أركان الصيام: النية
النية هي الركن الأول من أركان الصيام، وهي أساس قبول العبادة وصحتها، إذ لا عبادة بلا نية. والنية محلّها القلب، وتعني قصد الصيام تقرّبًا إلى الله تعالى وامتثالًا لأمره. وقد دلّ على ذلك قول النبي ﷺ:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (متفق عليه).
وبهذا يتضح أن النية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي عمل قلبي يميّز العبادة عن العادة، ويفصل بين الصيام المفروض وصيام النافلة.
كيف تكون نية الصيام؟
تكون نية الصيام بعزم القلب على صيام اليوم التالي من رمضان إيمانًا واحتسابًا، دون حاجة إلى لفظٍ أو صيغة مخصوصة. فمتى علم المسلم أن غدًا يوم صيام، وعزم في قلبه على الصيام، فقد تحققت النية. ويكفي هذا العزم القلبي لصحة الصيام، سواء كان الصيام فرضًا أو نفلًا، ما دام القصد واضحًا في القلب.
متى يتم عقد نية صوم رمضان؟
يشترط جمهور العلماء أن تُعقد نية صوم رمضان ليلًا قبل طلوع الفجر، لأن صيام رمضان عبادة مفروضة، ويجب تمييزها بالنية من الليل. ويكفي أن ينوي المسلم صيام الشهر كله في أول ليلة من رمضان عند بعض أهل العلم، ما لم يقطع النية بعذر كالسفر أو المرض. ويؤكد هذا الحكم أهمية النية باعتبارها ركنًا أصيلًا من أركان الصيام وشروطه.
النطق بالنية وحكمها
لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا ينطقون بالنية عند الصيام، ولهذا فإن النطق بالنية غير واجب، بل لم يُنقل استحبابه أيضًا. فالنية عمل قلبي محض، والتلفّظ بها يُعد من الأمور المحدثة إذا اعتُقد وجوبه أو لزومه. والأولى أن يلتزم المسلم بما ورد في السنة، فيعقد النية في قلبه دون تكلّف أو تشديد.
الركن الثاني من أركان الصيام: الإمساك عن المفطرات
الركن الثاني من أركان الصيام هو الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ويشمل ذلك الامتناع عن الأكل والشرب والجماع وسائر ما ثبت كونه من المفطرات شرعًا. وهذا الإمساك ليس مجرد تركٍ حسي، بل عبادة يُقصد بها الامتثال لأمر الله، مع حفظ الجوارح عن المعاصي، تحقيقًا لمقصد الصيام في تزكية النفس.
الدليل على وجوب الإمساك عن المفطرات
الدليل الصريح على وجوب الإمساك عن المفطرات قول الله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وتُبيّن هذه الآية بوضوح زمن الإمساك وزمن الإفطار، وتؤكد أن الإمساك ركن لا يتم الصيام بدونه، وهو ما يُكمل صورة كم عدد أركان الصيام ويُثبت أن الصيام يقوم على النية والإمساك معًا.
شروط صحة الصيام
لضمان صحة الصيام، هناك شروط يجب أن تتحقق، وهي:
الفرق بين الفرض والسنة
الصيام ينقسم إلى صيام فرض وصيام سنة.
إفطار الصائمين
من أجمل صور التكافل الاجتماعي في رمضان، هو السعي لتوفير وجبات الإفطار للصائمين، خاصة المحتاجين منهم والأيتام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء" (رواه الترمذي).
لذا فالإطعام في رمضان هو فرصة لنيل الأجر ومضاعفة الحسنات. إذ تتجلى في رمضان قيم الرحمة والتكافل في المجتمع، ويحرص المسلمون على المشاركة في موائد الرحمن والمبادرات التي تسعى إلى سد حاجة الفقراء والمحتاجين حتى لا يبيتَ مسلمٌ جائعًا في ديار المسلمين وخارجها.