الأمن الغذائي في مناطق النزاع: أزمة إنسانية لا تقل خطورة عن الحرب نفسها

وسط القصف والنزوح وانهيار الخدمات، تتقدم أزمة أخرى بصمت داخل البيوت والخيام: الجوع. فالنزاعات لا تهدد الإنسان بالسلاح وحده؛ إذ تدمر الحقول والمخابز، وتعطل الأسواق، وتقطع طرق الإمداد، وتحرم الأسر من العمل والدخل. وبمرور الوقت، تتحول وجبة بسيطة إلى عبء يومي، وقد يضطر الوالدان إلى تقليل حصتهما ليأكل الأطفال، أو الاستغناء عن الدواء والتعليم مقابل توفير الطعام.

تكشف أحدث البيانات حجم المأساة؛ فقد واجه نحو 266 مليون شخص في 47 دولة وإقليم مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2025. كما شهد العام نفسه تأكيد المجاعة في أجزاء من غزة والسودان، للمرة الأولى التي تُسجَّل فيها مجاعتان متزامنتان خلال هذا القرن، بحسب التقرير العالمي عن أزمات الغذاء 2026.

لهذا يمثل الأمن الغذائي في مناطق النزاع ضرورة لحماية الحياة والكرامة، وأحد أهم الأسس التي يحتاج إليها المجتمع حتى يصمد ويتعافى.

ما هو الأمن الغذائي ولماذا يُعد حقًا أساسيًا؟

يتحقق الأمن الغذائي عندما يستطيع جميع الناس، في كل الأوقات، الحصول ماديًا واقتصاديًا على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ يلبي احتياجاتهم ويعينهم على حياة صحية ونشطة.

ويرتكز على أربعة عناصر مترابطة:

  • توافر كميات كافية من الغذاء.
  • قدرة الناس على الوصول إليه وشراءه.
  • سلامته وقيمته الغذائية.
  • استمرار توفره من دون انقطاع مفاجئ.

وقد ربط القرآن الكريم بين الطعام والأمان في قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4]. فالقدرة على تناول غذاء كافٍ لا تنفصل عن شعور الإنسان بالاستقرار وصون كرامته.

كذلك أُقر الحق في مستوى معيشي يكفل الغذاء ضمن المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومع ذلك، ما زال نحو 645 مليون إنسان يواجهون الجوع عالميًا وفق أحدث تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

العواقب الإنسانية لانعدام الأمن الغذائي

كيف تؤثر الحروب والنزاعات في الأمن الغذائي؟

تضرب الحروب كل حلقة من حلقات المنظومة الغذائية، بداية من زراعة المحاصيل وتربية الماشية، وصولًا إلى النقل والتخزين والبيع. ويعيش 70% من الأشخاص الذين يعانون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي داخل دول هشة أو متأثرة بالصراع، بحسب برنامج الأغذية العالمي.

وتشمل أبرز آثار النزاعات:

  • تدمير الإنتاج الزراعي: تتضرر الحقول والآبار وشبكات الري والمخازن والمعدات، ويصبح الوصول إلى الأراضي محفوفًا بالخطر.
  • نزوح المزارعين: تُترك مساحات واسعة من الأراضي من دون زراعة، وتفقد المجتمعات خبرات تراكمت عبر أجيال.
  • تعطل سلاسل الإمداد: يؤدي إغلاق الطرق والموانئ والمعابر إلى نقص السلع وارتفاع تكاليف النقل.
  • انهيار القدرة الشرائية: قد يبقى بعض الطعام معروضًا في الأسواق، بينما تعجز الأسر عن شرائه بسبب فقدان الدخل وارتفاع الأسعار.
  • تراجع المساعدات: القيود الأمنية ونقص التمويل وصعوبة الوصول الإنساني تؤخر المساعدات الغذائية عن أشخاص يعتمدون عليها للبقاء.
  • تداخل الصراع مع المناخ: تضاعف موجات الجفاف والفيضانات وندرة المياه خسائر الزراعة والثروة الحيوانية.

وهكذا يصبح الغذاء في الأزمات أكثر ندرة وأعلى تكلفة وأقل تنوعًا، فيما تتزايد حاجة السكان إليه يومًا بعد يوم.

وفر الوجبات الساخنة لليمن
نحو مستقبل آمن غذائيًا رغم الصراعات

كيف يواجه الأطفال الجوع في مناطق النزاع مثل غزة؟

يتحمل الأطفال في مناطق النزاع آثار الجوع بصورة أشد؛ فأجسامهم تحتاج إلى عناصر غذائية منتظمة للنمو، وأي نقص طويل قد يضعف المناعة ويؤثر في تطور الدماغ والقدرة على التعلم.

في غزة، أظهر تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 1.6 مليون شخص، أي 77% من السكان الذين شملهم التحليل، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من منتصف أكتوبر إلى نهاية نوفمبر 2025. كما توقعت التحليلات معاناة أعداد كبيرة من الأطفال دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بما يشمل حالات شديدة معرضة لخطر الوفاة. ويمكن الاطلاع على التفاصيل عبر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

قد يتناول الطفل وجبة واحدة محدودة القيمة الغذائية، أو ينام جائعًا، أو يفقد وزنه تدريجيًا. ويزيد سوء التغذية احتمالات الإصابة بالعدوى، كما يجعل الأمراض البسيطة أكثر خطورة ويؤثر في التركيز والحضور المدرسي والصحة النفسية.

ما التحديات الغذائية التي تواجه الأسر النازحة؟

غالبًا ما تصل الأسر النازحة إلى المخيمات بعد أن تركت المنزل والعمل والمحاصيل ومخزون الطعام. وتبدأ مرحلة جديدة من القلق، تتسم بارتفاع الأسعار، وقلة أدوات الطهي، وصعوبة حفظ الأغذية، وضعف الوصول إلى المياه النظيفة والوقود.

وقد تلجأ الأسرة إلى وسائل قاسية للتكيف، منها:

  • تقليل عدد الوجبات أو كمياتها.
  • الاعتماد على أغذية رخيصة محدودة التنوع.
  • بيع الممتلكات الضرورية أو الاستدانة.
  • إخراج الأطفال من المدرسة للمساعدة في العمل.
  • تأجيل العلاج لشراء الطعام.
  • تزويج الفتيات مبكرًا في بعض البيئات شديدة الهشاشة.

تخفف الطرود الغذائية هذه الضغوط عبر توفير مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والزيت والبقوليات والسكر، بما يمنح الأسرة قدرًا من الاستقرار ويحميها من خيارات قد تترك آثارًا طويلة الأمد.

إطلع على باقاتنا لدعم غزة

لماذا يصبح الدعم الغذائي أكثر أهمية خلال الأزمات الممتدة؟

في الأيام الأولى للطوارئ، تنقذ الوجبات الجاهزة الأرواح بسرعة. أما مع امتداد الأزمة، فتحتاج الاستجابة إلى مزيج يجمع بين الدعم الغذائي العاجل والحلول القادرة على تعزيز الاعتماد على النفس.

فالوجبات الساخنة تلائم الأسر التي لا تملك مطبخًا أو وقودًا، بينما تساعد الطرود على إعداد الطعام وفق احتياجات الأسرة. وتدعم المخابز المجتمعية توفير الخبز يوميًا، فيما تعيد المشاريع الزراعية الصغيرة والدواجن وتربية المواشي والنحل للأسر قدرتها على إنتاج الغذاء وتحصيل دخل مستدام.

كما ينبغي أن تراعي الاستجابة احتياجات الأطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن والمرضى، لأن توفير السعرات وحدها لا يضمن تغذية سليمة. فتنوع الطعام وجودته وانتظامه عناصر ضرورية للوقاية من سوء التغذية.

إطلع على باقاتنا لدعم السودان
الأسئلة الشائعة

دور هيومان أبيل في دعم الأمن الغذائي في مناطق النزاع

تعمل هيومان أبيل على إيصال الغذاء إلى المجتمعات المتضررة من الحروب والنزوح والكوارث من خلال استجابات متنوعة تشمل:

  • توزيع الطرود الغذائية على الأسر الأشد حاجة.
  • تقديم الوجبات الساخنة في المخيمات والمناطق المحاصرة.
  • دعم المخابز وإنتاج الخبز وتوزيعه.
  • تنفيذ برامج رمضان والأضاحي والتغذية الموسمية.
  • مساندة الزراعة وتربية الدواجن والمواشي والنحل وزراعة الأشجار.
  • توفير أدوات الإنتاج والتدريب لمساعدة الأسر على بناء مصادر غذاء ودخل أكثر استدامة.

وفي غزة، قدمت هيومان أبيل أكثر من 8.5 مليون وجبة ساخنة ضمن استجابتها الإنسانية المتواصلة منذ أكتوبر 2023، إلى جانب المياه والمواد الغذائية وغيرها من أشكال الدعم الضروري.

قال رسول الله ﷺ: «مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (رواه الترمذي وحسنه). فالطعام اليومي أساس للعافية والطمأنينة، وإيصاله إلى المحتاج من أصدق صور الرحمة والتكافل. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]. قد يمنح تبرع واحد أسرة طردًا غذائيًا، أو طفلًا وجبة دافئة، أو مزارعًا فرصة لاستعادة إنتاجه. وفي مناطق النزاع، تحمل كل وجبة معنى يتجاوز الطعام؛ فهي حماية من المرض، وتخفيف لقلق الوالدين، ورسالة تؤكد للإنسان المتضرر أنه لم يُترك وحيدًا أمام الجوع.

إدعم مشاريع الأمن الغذائي

تبرع الآن
عودة للأخبار